الرقية الشرعية لعلاج السحر والمس والعين

مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا

للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576

البحث

البحث

القرآن كاملاً بالزعفران

القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه / 009613654576

جديد الفيديو

الصوتيات

سورة الناس قراءة واستماع

67 الخميس PM 01:25
2026-10-15

سورة الفلق قراءة واستماع

54 الخميس PM 01:25
2026-10-15

سورة الإخلاص قراءة واستماع

57 الخميس PM 01:25
2026-10-15

سورة المسد قراءة واستماع

53 الخميس PM 01:25
2026-10-15

سورة النصر قراءة واستماع

49 الخميس PM 01:25
2026-10-15

سورة الكافرون قراءة واستماع

56 الخميس PM 01:25
2026-10-15

سورة الكوثر قراءة واستماع

57 الخميس PM 01:24
2026-10-15

سورة الماعون قراءة واستماع

53 الخميس PM 01:24
2026-10-15

المتواجدون الان

انت الزائر رقم : 8673
يتصفح الموقع حاليا : 33

عرض المادة

تفسير السعدي - سورة التوبة (الآيات 110-129)

تفسير سورة التوبة للشيخ عبد الرحمن السعدي، الآيات 110-129، من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.

فهرس تفسير السعدي (114 سورة)
سورة المائدة: الآيات 1-34  |  الآيات 35-89  |  الآيات 90-120
سورة الأنعام: الآيات 1-79  |  الآيات 80-135  |  الآيات 136-165
سورة الأعراف: الآيات 1-73  |  الآيات 74-159  |  الآيات 160-206
سورة التوبة: الآيات 1-54  |  الآيات 55-109  |  ◂ الآيات 110-129
سورة يونس: الآيات 1-69  |  الآيات 70-109
سورة هود: الآيات 1-91  |  الآيات 92-123
سورة النحل: الآيات 1-89  |  الآيات 90-128
سورة الإسراء: الآيات 1-82  |  الآيات 83-111
سورة الكهف: الآيات 1-58  |  الآيات 59-110
سورة الأنبياء: الآيات 1-79  |  الآيات 80-112
سورة المؤمنون: الآيات 1-90  |  الآيات 91-118
سورة النور: الآيات 1-54  |  الآيات 55-64
سورة القصص: الآيات 1-71  |  الآيات 72-88
سورة الأحزاب: الآيات 1-51  |  الآيات 52-73

تفسير السعدي - سورة التوبة (الآيات 110-129)

الآية 110

‏﴿‏لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ‏﴾‏ أي‏:‏ شكا، وريبا ماكثا في قلوبهم، ‏﴿‏إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ‏﴾‏ بأن يندموا غاية الندم ويتوبوا إلى ربهم، ويخافوه غاية الخوف، فبذلك يعفو اللّه عنهم، وإلا فبنيانهم لا يزيدهم إلا ريبا إلى ريبهم، ونفاقا إلى نفاقهم‏.‏ ‏﴿‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ‏﴾‏ بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، خفيها وجليها، وبما أسره العباد، وأعلنوه‏.‏ ‏﴿‏حَكِيمٌ‏﴾‏ لا يفعل ولا يخلق ولا يأمر ولا ينهى إلا ما اقتضته الحكمة وأمر به فللّه الحمد ‏.‏ وفي هذه الآيات فوائد عدة‏:‏ منها‏:‏ أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه‏.‏ ومنها‏:‏ أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى‏.‏ ومنها‏:‏ أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها‏.‏ كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن اللّه علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة للّه ورسوله‏.‏ ومنها‏:‏ النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها‏.‏ ومنها‏:‏ أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد ‏"‏ قباء‏"‏ حتى قال اللّه فيه‏:‏ ‏﴿‏لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏﴾‏ ‏.‏ ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه‏.‏ ومنها‏:‏ أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي‏:‏ كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية للّه، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن عادى اللّه ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه‏.‏ ومنها‏:‏ أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات‏.‏ ومنها‏:‏ أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره اللّه له من باب أولى وأحرى‏.‏ ومنها‏:‏ أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم‏.‏ والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، واللّه لا يهدي القوم الظالمين‏.‏

الآية 111

يخبر تعالى خبرا صدقا، ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة، ومعاوضة جسيمة، وهو أنه ‏﴿‏اشْتَرَى‏﴾‏ بنفسه الكريمة ‏﴿‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ‏﴾‏ فهي المثمن والسلعة المبيعة‏.‏ ‏﴿‏بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ‏﴾‏ التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من أنواع اللذات والأفراح، والمسرات، والحور الحسان، والمنازل الأنيقات‏.‏ وصفة العقد والمبايعة، بأن يبذلوا للّه نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه، لإعلاء كلمته وإظهار دينه فـ ‏﴿‏يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ‏﴾‏ فهذا العقد والمبايعة، قد صدرت من اللّه مؤكدة بأنواع التأكيدات‏.‏ ‏﴿‏وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ‏﴾‏ التي هي أشرف الكتب التي طرقت العالم، وأعلاها، وأكملها، وجاء بها أكمل الرسل أولو العزم، وكلها اتفقت على هذا الوعد الصادق‏.‏ ‏﴿‏وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا‏﴾‏ أيها المؤمنون القائمون بما وعدكم اللّه، ‏﴿‏بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ‏﴾‏ أي‏:‏ لتفرحوا بذلك، وليبشر بعضكم بعضًا، ويحث بعضكم بعضًا‏.‏ ‏﴿‏وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏﴾‏ الذي لا فوز أكبر منه، ولا أجل، لأنه يتضمن السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من اللّه الذي هو أكبر من نعيم الجنات، وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة، فانظر إلى المشتري من هو‏؟‏ وهو اللّه جل جلاله، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي هو أحب الأشياء للإنسان‏.‏ وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع، وهو أشرف الرسل، وبأي كتاب رقم، وهي كتب اللّه الكبار المنزلة على أفضل الخلق‏.‏

الآية 112

كأنه قيل‏:‏ من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من اللّه بدخول الجنات ونيل الكرامات‏؟‏ فقال‏:‏ هم ‏﴿‏التَّائِبُونَ‏﴾‏ أي‏:‏ الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات‏.‏ ‏﴿‏الْعَابِدُونَ‏﴾‏ أي‏:‏ المتصفون بالعبودية للّه، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين‏.‏ ‏﴿‏الْحَامِدُونَ‏﴾‏ للّه في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار‏.‏ ‏﴿‏السَّائِحُونَ‏﴾‏ فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة اللّه ومحبته، والإنابة إليه على الدوام، والصحيح أن المراد بالسياحة‏:‏ السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك‏.‏ ‏﴿‏الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ‏﴾‏ أي‏:‏ المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود‏.‏ ‏﴿‏الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏﴾‏ ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات‏.‏ ‏﴿‏وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ‏﴾‏ وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه‏.‏ ‏﴿‏وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ‏﴾‏ بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلا وتركا‏.‏ ‏﴿‏وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ‏﴾‏ لم يذكر ما يبشرهم به، ليعم جميع ما رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن‏.‏ وأما مقدارها وصفتها فإنها بحسب حال المؤمنين، وإيمانهم، قوة، وضعفا، وعملا بمقتضاه‏.‏

الآية 113

يعني‏:‏ ما يليق ولا يحسن للنبي وللمؤمنين به ‏﴿‏أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ‏﴾‏ أي‏:‏ لمن كفر به، وعبد معه غيره ‏﴿‏وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏﴾‏ فإن الاستغفار لهم في هذه الحال غلط غير مفيد، فلا يليق بالنبي والمؤمنين، لأنهم إذا ماتوا على الشرك، أو علم أنهم يموتون عليه، فقد حقت عليهم كلمة العذاب، ووجب عليهم الخلود في النار، ولم تنفع فيهم شفاعة الشافعين، ولا استغفار المستغفرين‏.‏ وأيضًا فإن النبي والذين آمنوا معه، عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه اللّه، ويعادوا من عاداه اللّه، والاستغفار منهم لمن تبين أنه من أصحاب النار مناف لذلك، مناقض له

الآية 114

ولئن وجد الاستغفار من خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام لأبيه فإنه ‏﴿‏عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ‏﴾‏ في قوله ‏﴿‏سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا‏﴾‏ وذلك قبل أن يعلم عاقبة أبيه‏.‏ فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو للّه، سيموت على الكفر، ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير ‏﴿‏تَبَرَّأَ مِنْهُ‏﴾‏ موافقة لربه وتأدبا معه‏.‏ ‏﴿‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ‏﴾‏ أي‏:‏ رجَّاع إلى اللّه في جميع الأمور، كثير الذكر والدعاء، والاستغفار والإنابة إلى ربه‏.‏ ‏﴿‏حَلِيمٌ‏﴾‏ أي‏:‏ ذو رحمة بالخلق، وصفح عما يصدر منهم إليه، من الزلات، لا يستفزه جهل الجاهلين، ولا يقابل الجاني عليه بجرمه، فأبوه قال له‏:‏ ‏﴿‏لَأَرْجُمَنَّكَ‏﴾‏ وهو يقول له‏:‏ ‏﴿‏سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي‏﴾‏ فعليكم أن تقتدوا به، وتتبعوا ملة إبراهيم في كل شيء ‏﴿‏إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ‏﴾‏ كما نبهكم اللّه عليها وعلى غيرها

الآية 115

يعني أن اللّه تعالى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تعالى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم، ففي هذا دليل على كمال رحمته، وأن شريعته وافية بجميع ما يحتاجه العباد، في أصول الدين وفروعه‏.‏ ويحتمل أن المراد بذلك ‏﴿‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ‏﴾‏ فإذا بين لهم ما يتقون فلم ينقادوا له، عاقبهم بالإضلال جزاء لهم على ردهم الحق المبين، والأول أولى‏.‏ ‏﴿‏إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏﴾‏ فلكمال علمه وعمومه علمكم ما لم تكونوا تعلمون، وبين لكم ما به تنتفعون‏.‏

الآية 116

‏﴿‏إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السموات وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ‏﴾‏ أي‏:‏ هو المالك لذلك، المدبر لعباده بالإحياء والإماتة وأنواع التدابير الإلهية، فإذا كان لا يخل بتدبيره القدري فكيف يخل بتدبيره الديني المتعلق بإلهيته، ويترك عباده سدى مهملين، أو يدعهم ضالين جاهلين، وهو أعظم توليه لعباده‏؟‏‏"‏‏.‏ فلهذا قال‏:‏ ‏﴿‏وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ‏﴾‏ أي‏:‏ ولي يتولاكم بجلب المنافع لكم، أو ‏﴿‏نَصِيرٍ‏﴾‏ يدفع عنكم المضار‏.

الآية 117

يخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه تَابَ عَلَى النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏﴿‏وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ‏﴾‏ فغفر لهم الزلات، ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات، وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات، ولهذا قال‏:‏ ‏﴿‏الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ‏﴾‏ أي‏:‏ خرجوا معه لقتال الأعداء في وقعة ‏"‏تبوك‏"‏ وكانت في حر شديد، وضيق من الزاد والركوب، وكثرة عدو، مما يدعو إلى التخلف‏.‏ فاستعانوا اللّه تعالى، وقاموا بذلك ‏﴿‏مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ‏﴾‏ أي‏:‏ تنقلب قلوبهم، ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن اللّه ثبتهم وأيدهم وقواهم‏.‏ وزَيْغُ القلب هو انحرافه عن الصراط المستقيم، فإن كان الانحراف في أصل الدين، كان كفرا، وإن كان في شرائعه، كان بحسب تلك الشريعة، التي زاغ عنها، إما قصر عن فعلها، أو فعلها على غير الوجه الشرعي‏.‏ وقوله ‏﴿‏ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ‏﴾‏ أي‏:‏ قبل توبتهم ‏﴿‏إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏﴾‏ ومن رأفته ورحمته أن مَنَّ عليهم بالتوبة، وقبلها منهم وثبتهم عليها‏.‏

الآية 118

﴿‏و‏﴾‏ كذلك لقد تاب الله ‏﴿‏عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا‏﴾‏ عن الخروج مع المسلمين، في تلك الغزوة، وهم‏:‏ ‏"‏كعب بن مالك‏"‏ وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة، في الصحاح والسنن‏.‏ ‏﴿‏حَتَّى إِذَا‏﴾‏ حزنوا حزنًا عظيمًا، و‏﴿‏ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ‏﴾‏ أي‏:‏ على سعتها ورحبها ‏﴿‏وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ‏﴾‏ التي هي أحب إليهم من كل شيء، فضاق عليهم الفضاء الواسع، والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج، بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء‏.‏ ‏﴿‏وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ‏﴾‏ أي‏:‏ تيقنوا وعرفوا بحالهم، أنه لا ينجي من الشدائد، ويلجأ إليه، إلا اللّه وحده لا شريك له، فانقطع تعلقهم بالمخلوقين، وتعلقوا باللّه ربهم، وفروا منه إليه، فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة‏.‏ ‏﴿‏ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ‏﴾‏ أي‏:‏ أذن في توبتهم ووفقهم لها ‏﴿‏لِيَتُوبُوا‏﴾‏ أي‏:‏ لتقع منهم، فيتوب اللّه عليهم، ‏﴿‏إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ‏﴾‏ أي‏:‏ كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، ‏﴿‏الرَّحِيمِ‏﴾‏ وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية‏.‏ وفي هذه الآيات دليل على أن توبة اللّه على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها‏.‏ ومنها‏:‏ لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة‏.‏ ومنها‏:‏ أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر‏.‏ ومنها‏:‏ أن توبة اللّه على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة‏.‏ ومنها‏:‏ أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما، وانقطع عن المخلوقين‏.‏ ومنها‏:‏ أن من لطف اللّه بالثلاثة، أن وسمهم بوسم، ليس بعار عليهم فقال‏:‏ ‏﴿‏خُلِّفُوا‏﴾‏ إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، ‏[‏أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم، أو في رده‏]‏ وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل‏:‏ ‏"‏تخلفوا‏"‏‏.‏ ومنها‏:‏ أن اللّه تعالى من عليهم بالصدق.‏

الآية 119

أي‏:‏ ‏﴿‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا‏﴾‏ باللّه، وبما أمر اللّه بالإيمان به، قوموا بما يقتضيه الإيمان، وهو القيام بتقوى اللّه تعالى، باجتناب ما نهى اللّه عنه والبعد عنه‏.‏ ‏﴿‏وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏﴾‏ في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا خلية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏﴿‏هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ‏﴾‏ الآية‏.‏

الآية 120

يقول تعالى ـ حاثا لأهل المدينة المنورة من المهاجرين، والأنصار، ومن حولهم من الأعراب، الذين أسلموا فحسن إسلامهم ـ ‏:‏ ‏﴿‏مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ‏﴾‏ أي‏:‏ ما ينبغي لهم ذلك، ولا يليق بأحوالهم‏.‏ ‏﴿‏وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ‏﴾‏ في بقائها وراحتها، وسكونه ‏﴿‏عَنْ نَفْسِهِ‏﴾‏ الكريمة الزكية، بل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بنفسه ويقدمه عليها، فعلامة تعظيم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومحبته والإيمان التام به، أن لا يتخلفوا عنه، ثم ذكر الثواب الحامل على الخروج فقال‏:‏ ‏﴿‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ‏﴾‏ أي‏:‏ المجاهدين في سبيل اللّه ‏﴿‏لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ‏﴾‏ أي‏:‏ تعب ومشقة ‏﴿‏وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏﴾‏ أي‏:‏ مجاعة‏.‏ ‏﴿‏وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّار‏﴾‏ من الخوض لديارهم، والاستيلاء على أوطانهم، ‏﴿‏وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا‏﴾‏ كالظفر بجيش أو سرية أو الغنيمة لمال ‏﴿‏إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ‏﴾‏ لأن هذه آثار ناشئة عن أعمالهم‏.‏ ‏﴿‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏﴾‏ الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر الله، وقيامهم بما عليهم من حقه وحق خلقه، فهذه الأعمال آثار من آثار عملهم‏.‏

الآية 121

‏﴿‏وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا‏﴾‏ في ذهابهم إلى عدوهم ‏﴿‏إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏﴾‏ ومن ذلك هذه الأعمال، إذا أخلصوا فيها للّه، ونصحوا فيها، ففي هذه الآيات أشد ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل اللّه، والاحتساب لما يصيبهم فيه من المشقات، وأن ذلك لهم رفعة درجات، وأن الآثار المترتبة على عمل العبد له فيها أجر كبير‏

الآية 122

يقول تعالى‏:‏ ـ منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم ـ ‏﴿‏وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً‏﴾‏ أي‏:‏ جميعا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، وتفوت به كثير من المصالح الأخرى، ‏﴿‏فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ‏﴾‏ أي‏:‏ من البلدان، والقبائل، والأفخاذ ‏﴿‏طَائِفَةٌ‏﴾‏ تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى‏.‏ ثم نبه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال‏:‏ ‏﴿‏لِيَتَفَقَّهُوا‏﴾‏ أي‏:‏ القاعدون ‏﴿‏فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ‏﴾‏ أي‏.‏ ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم‏.‏ ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له‏.‏ وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه‏؟‏ وأي نتيجة نتجت من علمه‏؟‏ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه اللّه علما ومنحه فهما‏.‏ وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي‏:‏ أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور‏.‏

الآية 123

وهذا أيضًا إرشاد آخر، بعدما أرشدهم إلى التدبير فيمن يباشر القتال، أرشدهم إلى أنهم يبدأون بالأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم، والشدة في القتال، والشجاعة والثبات‏.‏ ‏﴿‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏﴾‏ أي‏:‏ وليكن لديكم علم أن المعونة من اللّه تنزل بحسب التقوى، فلازموا على تقوى اللّه، يعنكم وينصركم على عدوكم‏.‏ وهذا العموم في قوله‏:‏ ‏﴿‏قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ‏﴾‏ مخصوص بما إذا كانت المصلحة في قتال غير الذين يلوننا، وأنواع المصالح كثيرة جدا‏.‏

الآية 124

يقول تعالى‏:‏ مبينا حال المنافقين، وحال المؤمنين عند نزول القرآن، وتفاوت ما بين الفريقين، فقال‏:‏ ‏﴿‏وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ‏﴾‏ فيها الأمر، والنهي، والخبر عن نفسه الكريمة، وعن الأمور الغائبة، والحث على الجهاد‏.‏ ‏﴿‏فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا‏﴾‏ أي‏:‏ حصل الاستفهام، لمن حصل له الإيمان بها من الطائفتين‏.‏ قال تعالى ـ مبينا الحال الواقعة ـ ‏:‏ ‏﴿‏فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا‏﴾‏ بالعلم بها، وفهمها، واعتقادها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير، والانكفاف عن فعل الشر‏.‏ ‏﴿‏وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏﴾‏ أي‏:‏ يبشر بعضهم بعضا بما من اللّه عليهم من آياته، والتوفيق لفهمها والعمل بها‏.‏ وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات اللّه، وطمأنينة قلوبهم، وسرعة انقيادهم لما تحثهم عليه‏.‏

الآية 125

‏﴿‏وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏﴾‏ أي‏:‏ شك ونفاق ‏﴿‏فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ‏﴾‏ أي‏:‏ مرضا إلى مرضهم، وشكا إلى شكهم، من حيث إنهم كفروا بها، وعاندوها وأعرضوا عنها، فازداد لذلك مرضهم، وترامى بهم إلى الهلاك ‏﴿‏و‏﴾‏ الطبع على قلوبهم، حتى ‏﴿‏مَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ‏﴾‏ وهذا عقوبة لهم، لأنهم كفروا بآيات اللّه وعصوا رسوله، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه‏.‏

الآية 126

قال تعالى ـ موبخًا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق ـ ‏:‏ ‏﴿‏أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ‏﴾‏ بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم‏.‏ ‏﴿‏ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ‏﴾‏ عما هم عليه من الشر ‏﴿‏وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏﴾‏ ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيتركونه‏.‏ فالله تعالى يبتليهم ـ كما هي سنته في سائر الأمم ـ بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون‏.‏ وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن، أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود‏.‏

الآية 127

يعني‏:‏ أن المنافقين الذين يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، إذا نزلت سورة ليؤمنوا بها، ويعملوا بمضمونها ‏﴿‏نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ‏﴾‏ جازمين على ترك العمل بها، ينتظرون الفرصة في الاختفاء عن أعين المؤمنين، ويقولون‏:‏ ‏﴿‏هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا‏﴾‏ متسللين، وانقلبوا معرضين، فجازاهم اللّه بعقوبة من جنس عملهم، فكما انصرفوا عن العمل ‏﴿‏صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏﴾‏ أي‏:‏ صدها عن الحق وخذلها‏.‏ ‏﴿‏بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ‏﴾‏ فقها ينفعهم، فإنهم لو فقهوا، لكانوا إذا نزلت سورة آمنوا بها، وانقادوا لأمرها‏.‏ والمقصود من هذا بيان شدة نفورهم عن الجهاد وغيره، من شرائع الإيمان، كما قال تعالى عنهم‏:‏ ‏﴿‏فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ‏﴾‏

الآية 128

يمتن ‏[‏تعالى‏]‏ على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم‏.‏ ‏﴿‏عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ‏﴾‏ أي‏:‏ يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم‏.‏ ‏﴿‏حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ‏﴾‏ فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه‏.‏ ‏﴿‏بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏﴾‏ أي‏:‏ شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم‏.‏ ولهذا كان حقه مقدمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره، وتوقيره

الآية 129

‏﴿‏فَإِنْ‏﴾‏ آمنوا، فذلك حظهم وتوفيقهم، وإن ‏﴿‏تَوَلَّوا‏﴾‏ عن الإيمان والعمل، فامض على سبيلك، ولا تزل في دعوتك، وقل ‏﴿‏حَسْبِيَ اللَّهُ‏﴾‏ أي‏:‏ الله كافيَّ في جميع ما أهمني، ‏﴿‏لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ‏﴾‏ أي‏:‏ لا معبود بحق سواه‏.‏ ‏﴿‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏﴾‏ أي‏:‏ اعتمدت ووثقت به، في جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، ‏﴿‏وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏﴾‏ الذي هو أعظم المخلوقات‏.‏ وإذا كان رب العرش العظيم، الذي وسع المخلوقات، كان ربا لما دونه من باب أولى وأحرى‏.‏ تم تفسير سورة التوبة بعون اللّه ومنه فلله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا‏.‏

الكتاب: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان - تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله - المصدر: تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان).

الوسوم:
  • الاربعاء PM 03:27
    2026-10-28
  • 2

التعليقات

    = 5 + 8

    /500
    Powered by: GateGold