مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 253] الفصل الرابع
التداوي بالرقى المشروعة
وفيه بابان:
الأول: … في بيان معنى الرقية، وأنواعها ومسائل مهمة متعلقة بها. ويتضمن خمسة مباحث.
أولاً: في التعريف بالرقية.
ثانيًا: في بيان أنواع الرقى بعامّة.
ثالثًا: في ذكر ضابط الرقية المشروعة.
رابعًا: في بيان عشر مسائل مهمة متعلقة بالرقى.
خامسًا: في ذكر أمورٍ ينبغي توافرها للانتفاع بالرقية.
الثاني: في ذكر رقى مشروعة، من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وهي مفصلة كالآتي:
أولاً: افتتاح الرقى.
ثانيًا: رقية وقائية تحفظ المؤمن بإذن ربه.
ثالثًا: رقية جامعة - من القرآن الكريم - للاستشفاء بها.
رابعًا: رقى مختصة - من القرآن الكريم - بالاستشفاء من أمراض بعينها، وفيه مبحثان:
أ- الأمراض النفسية (المعنوية) ، وفيه ستة مطالب:.
1 - رقية للعين.
2- رقية للحسد.
3- رقية للسِّحْر.
4- رقية للمس والصَّرْع.
5- رقية لطلب انشراح الصدر وزوال الكرب.
6- رقية لدفع الوسوسة.
ب- الأمراض الحسية (العضوية) .
خامسًا: رقية جامعة من السنة النبوية، لعموم الاستشفاء.
[ص 255] الباب الأول
في بيان معنى الرقى، وأنواعها ومسائل مهمة متعلقة بها
أولاً: التعريف بالرقية:
* الرُّقْيَة: - بالضمّ - هي العُوذة التي يُتعوَّذ بها (1) ، ويُرقى بها صاحب الآفة كالحُمَّى والصَّرْع، وغير ذلك من الآفات (2) ، فهي إذًا: [كلام يُستشفى به من كل عارض] (3) ، وجمعها: رُقًى - بالضم فالفتح - والراقي أو الراقيهْ، بالهاء: هو صانع الرقية أو الرُّقَى، وجمعه رُقاة، ويقال في تأنيث ذلك: هي راقية، وتجمع على رَوَاقٍ (4) ، وكذلك يقال: رجل رقّاء، أي: صاحب رُقًى، وجمعه: راقون (5) .
ثانيًا: أنواع الرقى:
الرقى خمسة أقسام، هاك بيانها وأحكامها (6) :
الأول: … ما كان بكلام الله تعالى، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فهذا جائز، بل مستحب.
[ص 256] الثاني: … ما يلتحق بذلك مما كان بالذكر والدعاء المأثور، وهذا حكمه كسابقه، جائز مستحب.
الثالث: ما كان منها بالذكر والدعاء غير المأثور، مما لا يخالف ما في المأثور، وهذا جائز.
الرابع: … الرقى بما لا يعقل معناه، كالرقى التي كانت في الجاهلية، فهذه يجب اجتنابها لئلا يكون فيه شرك أو ما يؤدي إلى الشرك.
الخامس: ما كان بأسماء غير الله من مَلَكٍ، أو صالح، أو معظَّمٍ من المخلوقات كالعرش، كأن يقول: أرقيك بحق جبريل عليه السلام، ونحو ذلك، فهذا ليس من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه وصفاته فيُترك (1) .
ولعل مجمع ما سبق يمكن استنباطه من إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته رضي الله عنهم، بقوله: اِعْرِضُوا عَلَيَّ رُقاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ (2) . مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ (3) .
[ص 257] ثالثًا: ضابط الرقية المشروعة:
[أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
- … أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
- … أن تكون باللسان العربي، أو بما يُعرف معناه من غيره.
- … أن يعتقد - كل من الراقي والمَرْقِيِّ - أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى] (1) (فمهما كان فيه استعاذة بالله تعالى، أو استعانة به وحده، أو ما يعطي معنى ذلك، فالاسترقاء به مشروع) (2) .
رابعًا: بيان عشر مسائل مهمة متعلقةٍ بالرقى:
المسألة الأولى: ما حكم الاسترقاء - طلب الرقية ممن يعرف الرقى، بسبب العين - وهل فيه منافاة للتوكل؟
الجواب: [قد جاء في بعض الأحاديث جواز الاسترقاء، وفي بعضها النهي عنه، فمن الجواز: قوله صلى الله عليه وسلم حين رأى في بيت أم سَلَمة رضي الله عنها جارية في وجهها سَفْعةٌ (3) : اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ (4) ، [ص 258] وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ: أَمَرَ - أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ (1) ، ومن النهي قوله صلى الله عليه وسلم في الثناء على خواص أولياء الله تعالى، المتوكلين حق التوكل عليه سبحانه، بكونهم لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) .
[والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع في ذلك أن الرقى يُكره منها ما كان بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزّلة، وأن يعتقد أن الرقية نافعة لا محالة فيتكل عليها] (3) ، [فالمراد إذًا بترك الرقى والكيّ هو ضرورة الاعتماد على الله تعالى في دفع الداء، مع تمام الرضا بقَدَره سبحانه، لا القدح في جواز ذلك - أي الاسترقاء - لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب] (4) . فيتبين من ذلك أن الاسترقاء مشروع، ولا منافاة بينه وبين التوكل، لكن بالشروط المعتبرة في جواز الرقية، إلا أن بعضًا من عباد الله الصالحين (5) قد تم استسلامهم [ص 259] لقضاء الله وقدره، فهم لا يلتفتون إلى سبب قد يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا، لاعتقادهم يقينًا بأن تمام التوكل على الله يلزمه عدم التعلق بالأسباب الظاهرة، والله سبحانه أعلم.
المسألة الثانية: ما حكم ما يُعطاه الراقي، أجرةً على الرقية المشروعة؟
الجواب: لقد أقر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أخذَ بعضٍ من صحابته - عليهم رضوان الله - أجرةً على رقية رقى بها أحدهم (1) سيدَ قومٍ في حيٍّ من أحياء العرب بفاتحة الكتاب، كانوا قد نزلوا عند واحة ماءٍ، وقد صالحهم الصحابة على ثلاثين شاةً (2) ، فقال عليه الصلاة والسلام: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (3) . [وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذِّكر، وأنها حلال لا كراهة فيها، وقوله صلى الله عليه وسلم:
[ص 260] وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ إنما قاله صلى الله عليه وسلم تطييبًا لقلوبهم، ومبالغةً في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه] (1) . وعليه، فقد اتفق الفقهاء على جواز أخذ الراقي الأجرة على الرقية وتمام تملّكه لهذه الأجرة، لكنِ الأَوْلى عندهم ترك طلبها، بل وتركها احتسابًا للأجر عند الله، على أن الراقي لا يستحق أجرًا إلا إذا صحَّ الانتفاع بالرقية. ونحن نرى أن كثيرًا ممن عرفوا بالعلاج عن طريق الرقى، - للأسف البالغ - لم يفقهوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ (2) ، حق الفقه، فأوّلوه بالتوسع في طلب الأجرة على الرقية، دونما نظر لحال المرقي، أو احتسابٍ للأجر والمثوبة عند الله تعالى في قصد نفع المسلمين، وذلك هو المشاهد من حال العديد ممن يتصدر - في عصرنا - لادعاء السبق إلى الولاية الخاصة، مع حيازته تمام التقوى والصلاح، ودفع الداء وجلب الشفاء، للعامة والخاصة!! فإلى الله المشتكى، وهو المستعان المرتجى.
المسألة الثالثة: في بيان معنى النفث وهل يشرع في الرقية؟
النَّفْثُ: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التَّفْل، لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق (3) . فكأنه بصفة بين النفخ الذي هو بلا ريق، والتفل الذي لا بد فيه من ريق، [والصواب أن النفث فيه ريق خفيف] (4) ، ولعله المقصود فيما صح من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كَانَ صلى الله عليه وسلم [ص 261] إِذَا اشْتَكى، يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ صلى الله عليه وسلم كَانَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رضي الله عنها تَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَتَمْسَحُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا (1) .
أما حكم النفث في الرقية، [فقد أجمعوا على جوازه، واستحبه الجمهور، من الصحابة والتابعين، ومن بعدَهم] (2) .
وأما [محل التفل في الرقية فإنه يكون بعد القراءة، لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق … ] (3) . [وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض كانفصال ذلك عن الراقي] (4) .
المسألة الرابعة: هل يُشرَع المسح في الرقية؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه حين شكا إليه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم: ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللهِ، ثَلَاثًا، وَقُلْ، سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ (5) [ومقصود الحديث أنه يستحب وضع يده [ص 262] على موضع الألم] (1) في الرقية. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح بيده اليمنى (2) ، ومسحت السيدة عائشة رضي الله عنها بيد النبي صلى الله عليه وسلم رجاء بركتها، كما مر آنفاً. وكَانَ عليه الصلاة والسلام إِذَا اشْتَكى إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثم قال: أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَاّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا (3) . وفائدة المسح باليمنى [حصول التفاؤل لدى كل من الراقي والمرقي بزوال ذلك الوجع] (4) . [وفي مسح جسد المريض تأنيس له وتعرُّف لشدة مرضه، ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحاً] (5) .
المسألة الخامسة: في بيان فرقٍ بين معنى الرقية المشروعة والعُوذة:
من المعلوم أن الرقية ليست مختصة بوقت ما، فهي أعم من التعوّذ، بهذا الاعتبار، فهي قد تكون قبل وقوع البلاء وبعده، لكن التعوذ يكون - غالبًا - قبل وقوع البلاء، مخافة أن يقع، قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ (6) . [لكن يحتمل أن يقال - أيضًا -:
[ص 263] إن الرقى أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقى مشهور، ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع] (1) ، ويتحصل مما سبق أن الرقية هي أعم من التعوذ من حيث وقت وقوعها، لكنها أخص منه من حيث مشروعيتها بضوابط - سبق تفصيل لها (2) -، وأن بعضها منهي عنه، لكونه حوى شركًا، أو ما يحتمل الشرك، بينما يكون التعوّذ مشروعاً مستحباً في جميع الأوقات، فهو إن أطلق لفظه، انصرف إلى معنى التعوذ بالله تعالى والالتجاء إليه، لذا فلا خلاف في استحبابه بحال. لكن يبقى - بعد ذلك - أن الأغلب من أقوال العلماء - من أهل اللغة والحديث والفقه -يقضي بعدم التفريق بينهما، وعلى أن الرقية والتعويذ هما صنوان مترادفان، والله أعلم.
المسألة السادسة: في ذكر معانٍ لطيفة، وحكم بالغة، في اعتبار فاتحة الكتاب، والمعوّذات، أمهات الرقى المشروعة، وأنه - لجلالتها - لو اقتُصِر عليها لكفى.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع، فما الظن بكلام رب العالمين، ثم بالفاتحة: التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها، لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله تعالى ومجامعها، وإثبات المعاد، وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء، وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم المتضمن كمال معرفة الله وتوحيده وعبادته، بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى: مُنْعَمٍ [ص 264] عليه لمعرفته بالحق والعمل به، ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته، وضالٍ لعدم معرفته له، مع ما تضمنَتْه من إثبات القَدَر والشرع والأسماء والمَعاد والتوبة وتزكية النفس، وإصلاح القلب، والرد على جميع أهل البدع، وحقيقٌ بسورة هذا بعض شأنها أن يُستشفى بها من كل داء، والله أعلم) (1) .
وقال الإمام النووي رحمه الله: (وإنما رقى بالمعوّذات: لأنهم جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملة وتفصيلاً. ففيها الاستعاذة من شر ما خلق فيدخل فيه كل شيء، ومن شر النفاثات في العقد وهن السواحر، ومن شر الحاسدين، ومن شر الوسواس الخناس، والله أعلم) (2) . وقال الإمام ابن بطّال رحمه الله: (في المعوّذات جوامع من الدعاء. نعم، أكثر المكروهات من السحر والحسد وشر الشيطان ووسوسته، وغير ذلك، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بها) (3) .
ويتفرع على هذه المسألة: بيان سبب (اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمعوّذات وترك ما سواها) (4) .
[ص 265] الجواب: (أن هذا لا يدل على المنع من التعوّذ بغير هاتين السورتين، بل يدل على الأولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما، وإنما اجتزأ - اكتفى - بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً) (1) .
المسألة السابعة: أيرقي أهلُ الكتاب المسلمين؟
الجواب: (اختُلف في استرقاء أهل الكتاب، فأجازها قوم وكرهها مالك رحمه الله، لئلا يكون مما بدلوه - أي حرّفوه من الكتاب - وأجاب من أجاز: بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، وهو كالطب سواء كان غير الحاذق لا يحسن أن يقول - أي: في الطب - والحاذق يأنف أن يبدّل حرصًا على استمرار وصفه بالحذق لترويج صناعته. والحق أنه - أي: استرقاء أهل الكتاب - يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال) (2) . فالحاصل في ذلك أن الراقي من أهل الكتاب، إن عُرف عنه أنه رقّاء، وكان حافظًا للكتاب، ويرقي بما يُعرف من ذكر الله، وكان المريض بحاجة ماسة، وليس مِنْ راقٍ من المسلمين، جاز، والله أعلم.
[ص 266] المسألة الثامنة: قال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، واحتجوا بما صح أنْ: لَا رُقْيَةَ إِلَاّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ (1) ، فهل الرقية مختصة فعلاً بهاتين العلتين؟
الجواب: (إن معنى الحصر في ذلك أنهما - أي العين واللدغة - أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خَبَل أو مسّ، ونحو ذلك، لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني، كما يلتحق بالسم أيضًا كل ما عرض للبدن من قَرْح ونحوه من المواد السَّمِّيَّة، خاصة وأنه قد وقع في روايات أخرى (2) : الترخيص بالرقية من الدم والنَّمْلة) (3) .
هذا جواب، وجواب آخر: (قيل: المراد بالحصر معنى الأفضل، أي: لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف إلا ذو الفقار) (4) . (فليس معنى الحديث إذاً تخصيص جواز الرقية بهذه الثلاثة - أي مع النَّملة - وإنما [ص 267] معناه: سئل عن هذه الثلاثة فأذِن فيها، ولو سئل عن غيرها لأذِن فيه. وقد أذِن صلى الله عليه وسلم لغير هؤلاء، وقد رقى هو صلى الله عليه وسلم في غير هذه الثلاثة، والله أعلم) (1) .
المسألة التاسعة: هل تَرُدُّ الرقى من قَدَر الله من شيء؟
الجواب: أن الرقى، والتداوي بعامة، لا يعارض قدر الله تعالى، بل هي مما قدَّره الله تعالى، فجعله سببًا عظيمًا للاستشفاء، فكما أن الْعَيْنُ حقٌّ (2) ، والإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه، كذلك فإن الرقية تحقَّقَ كونُها سببًا للاستشفاء بها من العين وغيرها.
والحاصل: أنه كما أن المرض، ووقوع ضرر العين، والحسد، والسحر، والمس، لا يكون إلا بإذن الله، [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ … } . كذلك فإن الرقى المشروعة لا يقع نفعها إلا بإذن الله تعالى. وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرقية هي مما قدَّره الله سببًا للنفع بإذنه، وذلك حين استشكل أبو خزامة رضي الله عنه من بني الحارث بن سعد - ذلك المعنى فقال: يا رسول الله، أرأيت رقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتُقاةً نتقيها، هل ترد من قَدَر الله شيئًا؟
[ص 268] قال صلى الله عليه وسلم: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ عز وجل (1) . وكذا وقع مثل هذا لكعب بن مالك رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: يَا كَعْبُ، بَلْ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ (2) ، فدل ذلك كلُّه على أن الرقية لا ترد القدر (3) ، بل إن القدر شامل لحدوث المرض، وطلب الاستشفاء، وتحقيق الشفاء أو عدمه، فلا يتحقق الشفاء إلا بإذن الله وتقديره، قال تعالى: [الشُّعَرَاء: 80] {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *} فالرقية ليست تشفي بذاتها بل الشفاء بذات الله تعالى، والله أعلم.
المسألة العاشرة: وهي آخر المسائل: يحتج بعضٌ من المعالجين بالرقى، بقولهم: هذا مجرّب نافع، فهل تكون كل رقية - جُرِّبَتْ منفعتُها - جائزة؟
الجواب: أن احتجاج هؤلاء بالتجريب والمنفعة، باب للفتنة في ذلك عظيم، حيث يجر بعده ما لا حصر له من [المجرَّبات] ، فتستحب
[ص 269] عندهم لنفعها المجرَّب، لكنِ الفيصلُ في ذلك كلِّه، [أن الأفعال إنما يثبت استحبابها واتخاذها دينًا، إذا وافقت كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى ذلك من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانًا على فوائد، لأن مفاسدها تكون راجحة على فوائدها] (1) ، ولعل بعضًا من هؤلاء قد [تمسك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: اِعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكًا (2) ، أو بقوله صلى الله عليه وسلم: مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ (3) ، فأجازوا بذلك العموم كل رقية جُرِّبَتْ منفعتُها، ولو لم يُعقل معناها، لكن الحديث الأول - وهو حديث عوف رضي الله عنه قد دل أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يُمنع، وما لا يعقل معناه لا يُؤمَن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا] (4) .
خامساً: في أمور: ينبغي توافرها في كلٍّ من الراقي والمرقي، ليتم الانتفاع بالرقية، بإذن الله عز وجل.
قال العلاّمة الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله تعالى: لا تفيد القراءة على المريض إلا بشروط:
أولاً: أهلية الراقي: بأن يكون من أهل الخير والصلاح والاستقامة والمحافظة على الصلوات والعبادات والأذكار والقراءة والأعمال الصالحة وكثرة الحسنات، والبعد عن المعاصي والبدع والمُحْدَثات والمنكرات وكبائر الذنوب وصغائرها، والحرصِ على الأكل الحلال [ص 270] والحذر من المال الحرام أو المشتَبَه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَة (1) ، … وَذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ، يا ربِّ يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بالحرام، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ (2) .
فطِيب المطعم من أسباب قبول الدعاء، ومن ذلك عدم فرض الأجرة على المرضى، والتنزه عن أخذ ما زاد على نفقته، فذلك أقرب إلى الانتفاع برقيته.
الشرط الثاني: معرفة الرقى الجائزة من الآيات القرآنية: كالفاتحة، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، وآخر سورة البقرة، وأول سورة آل عمران، وآخرها، وآية الكرسي، وآخر سورة التوبة، وأول سورة يونس، وأول سورة النحل، وآخر سورة الإسراء، وأول سورة طه، وآخر سورة المؤمنون، وأول سورة الصافّات، وأول سورة غافر، وآخر سورة الجاثية، وآخر سورة الحشر، ومن الأدعية القرآنية المذكورة في الكَلِم الطيب ونحوه، مع النَّفْثِ بعد كل قراءة، وتكرار الآية مثلاً (ثلاثًا) وأكثر.
الشرط الثالث: أن يكون المريض من أهل الإيمان والصلاح والخير والتقوى والاستقامة على الدين، والبعدِ عن المحرمات والمعاصي والمظالم، لقوله تعالى: [الإسرَاء: 82] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَارًا *} ، وقوله: [فُصّلَت: 44] {قُلْ هُوَ [ص 271] لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً} ، فلا تؤثر الرقى غالبًا في أهل المعاصي وترك الطاعات وأهل التكبّر والخُيَلاء والإسبال وحلق اللحى والتخلف عن الصلاة وتأخيرها والتهاون بالعبادات، ونحو ذلك.
الشرط الرابع: أن يجزم المريض بأن القرآن شفاء ورحمة وعلاج نافع، فلا يفيد إذا كان مترددًا يقول: افعل الرقية كتجربة إن نفعت وإلا لم تضر، بل يجزم بأنها نافعة حقًا وأنها هي الشفاء الصحيح كما أخبر الله تعالى.
فمتى تمت هذه الشروط نفعت بإذن الله تعالى، والله أعلم (1) .
وقد يضاف إلى ذلك: - توجه كل من الراقي والمرقي أثناء الرقية إلى الله عز وجل بإخلاص واستحضار كل منهما الافتقار إلى قدرة الله ورحمته ولطفه، والصدق في طلب كشف الضر والبلاء، ليوافق القلبُ اللسان، ورقية الإنسان نفسه قد تكون أرجى للشفاء، لقوله تعالى: [النَّمل: 62] {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} .
- كذلك ألا يستبطئ كلٌ من الراقي والمرقي أثرَ الرقية بالشفاء أو زوال الكرب، لأن الرقية هي من جنس الدعاء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فلا، أو فلم يُسْتَجَبْ لِي (2) .
[ص 272] - ومن ذلك أيضاً علم الراقي بطرق الرقية المشروعة، وهي أربعة: القراءة يتبعها النَّفْث، أو القراءة بغير نفث، أو جعل بعض الريق على طرف السبابة، ثم وضعها في تراب طاهر، مع قول الرقية المأثورة في ذلك (1) ، أو مسح موضع الألم عند القراءة بعامة، وبخاصة عند الدعاء المأثور (2) .
- كذلك، فإن من مهمات شروط الانتفاع بالرقية: ألا يتجاوز أي منهما - الراقي والمرقي - إلى معصية عند الرقية، كالتسهّل في رقية النساء: ككشف عورة، أو مسٍّ من غير حائل، أو نظر مُحدِق في العيون، بحجة مايسمُّونه: الكشف بالنظر، إلى ما هنالك مما هو واقع - للأسف البالغ - وتأنف الأنامل عن تسطير مثله.
هذا، ويحسن بنا في هذا المقام ذكر نص فتوى كريمة للشيخ ابن جبرين نفع الله بعلومه، حيث سئل حفظه الله:
إذا احتاجت المرأة إلى القراءة عليها، فهل يجوز للقارئ أن يمسَّ شيئًا من جسدها أثناء القراءة، أو يكشف شيئًا من اليدين أو الصدر للنفث عليه؟ فأجاب - أكرمه الله -:
- … لا مانع من استعمال الرقية على المرأة مع النفث والنفخ، لكنْ لا يَحِلّ لها أن تكشف شيئًا من جسدها لغير النساء أو المحارم، ولا [ص 273] يحل للقارئ الأَجنبي أن يباشر لمس بشرتها بدون حائل، بل يقرأ عليها وهي متحجبة، أو يقرأ عليها أحد نسائها أو محارمها، أو تقرأ هي على نفسها بما تيسَّر من القرآن، فالكلُّ يُرجى فيه الشفاء والنفع من الله تعالى. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (1) .
هذا، ومن شروط الرقية في حق الراقي بآيات الله تعالى، بخاصةٍ: أن يكون على طهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) ويضاف إليه - في حق الراقية - أن تكون متطهرة من حيض ونحوه، أما المرقي - ذكراً كان أو أنثى - فإن كان يتضرر بتأخير الرقية لأجل أن يتطهر، فلا بأس بأن يُرقَى على حاله، وإن كان الأكمل في حقه أن يكون طاهرًا (2) .
من أدب الرقية أيضًا: أن يكونا - الراقي والمرقي - على وضوء، وأن يتوجها إلى جهة القبلة، وأن تُفتتح الرقية بحمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن تختتم بذلك، (ذلك أن الرقية هي من جنس الدعاء) ، فيتأدب بها بآدابه، لكن الأكمل في حق الراقي رفع صوته، بما يُسمِع المرقيَّ، ليُعلِم بما يرقي، والأكمل في حق الداعي أن يخفض صوته ما أمكن، مع لزوم حضور قلب كلٍّ منهما، والخشوع وإظهار الخضوع والافتقار إلى الله تعالى، والله سبحانه أجلُّ وأعلم.