مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 187] أما الرابع من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو: بالاجتهاد في تحقيق الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ويكون ذلك بإعمال سنّته صلى الله عليه وسلم فيما أرشدت إليه من محادّة الشيطان؛ وقصد مخالفته، ومخالفة أتباعه؛ وليس المقصود في هذا المقام استقصاء الوصايا النبوية الكريمة جميعها، بل بعض ما أرشدت إليه، ومن ذلك:
1- … أكثِرْ من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وبخاصة عند الغضب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (2) .
2- … سمِّ الله تعالى، عند كل أمرٍ ذي بال من قول أو عمل تريد الشروع به. كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابة، وعند البدء بطعام أو شراب، أو عند ذبح مأكول اللحم، أو عند إرادة الجماع، أو دخول [ص 188] الخلاء، … ]- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كُلُّ كَلَامٍ، أَوْ أَمرٍ ذِي بَالٍ، لَا يُفتَحُ بِذِكْرِ اللهِ عز وجل، فَهُوَ أَبْتَرُ (1) .
3- … تيمَّنْ في شأنك كلِّه: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (2) ، أي: في الأمور المستحسنة جميعها (3) . اهـ.
4- … خالف سَمْت الشيطان، ومحبوبَه وما يميل إليه، ومن ذلك:
* … الكِبْرُ والاستعلاء، وهما داءان مهلكان مانعان من كل خير، مردّهما إلى العُجْب بالنفس، والبَطْرِ بأنعُم الله وكفرٍ وجحود بها، وهذا عين ما اتصف به إبليس الرجيم حين أمره الله تعالى بالسجود لآدم تكريمًا لهذا الخلق، اعترافًا بقدرة الخالق، وامتثالاً لأمره سبحانه، قال تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلَاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *قَالَ فَاخْرُجْ [ص 189] مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *} [ص: 73-78] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلَاّ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالى (1) .
* … والعجلةُ [وهي المانعة عن التمهل والتأمل قبل الشروع بالأفعال، فيشرع المرء بها من غير تبصُّرٍ ولا معرفة، فيروّج الشيطانُ شرَّه على المستعجِل من حيث لا يدري] (2) ، ومردّ العجلة الكِبْر والعُجْب بالنفس، والتشبّع بما لم يعط، فإن المرء إذا اعتدّ بنفسه توهّم قدرته على إنجاز ما يريده كأسرع ما يكون، فإذا حاول ذلك أعياه الأمر، فاستشاط غيظاً، وربما جرّه ذلك إلى إحباطٍ يستتبع تركاً للأعمال النافعة، واستسلاماً لوساوس الشيطان بالعجز، والتنحي جانبًا عن مسار العمل النافع، وترك الاستعانة بالله، فيلقي الشيطان عندئذٍ شُبُهاته في قلبه، ويُخيِّل إليه عجز الإنسان عمومًا عن أداء ما يحقق له الاستخلاف في الأرض أو حتى عن القيام بما خُلِق له من العبادة، فيتوجه عندها إلى اتباع الهوى والتطفل على موائد الغير، ويُمضي حياته على هذا المنوال!! فهل كان يتصور عند تعجّله في أداء مهامه أن يصير إلى ما صار إليه؟! قال الله تعالى: [الإسرَاء: 11] {وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} . وقال سبحانه: [الأنبيَاء: من الآية 37] {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ … } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأَْنَاةُ مِنَ اللهِ [ص 190] وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ (1) . وقال عليه الصلاة والسلام: يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي (2) . فإن كان التعجُّل مذموماً في الدعاء، والحال أن المؤمن أشد ما تَعظُم رغبته في استجابة دعائه، فكيف بما دون ذلك من أمور الدنيا؟!
* … والغضبُ: وهو جمرة تتوقد في قلب ابن آدم تؤزُّه على إنفاذ ما يريده قسرًا، وإن الملقي لهذه الجمرة الخبيثة هو الشيطان، يلقيها على حين غفلة من هذا القلب عن ذكر الله. وكم ألحق الغضب بابن آدم من ويلات تندَّم بعد وقوعها، بل استغرب أحياناً صدورها عنه، لكنْ لاتَ ساعةَ مَنْدَمِ، فكم من قتيل - بغير حق - وطلاق بغير بصيرة، وعداوة بغير مسوِّغٍ، وقطيعة رحم جرَّاء غضب في ساعة غفلة، غطى عقل صاحبه، وأحرق الحكمة المودعة في قلبه، فاستحال شبيهًا بمجنون لا يعي ما يقول ولا يدرك ما يفعل، فغلب الشيطان على عقله واستحوذ على بصيرته فأوقعه بما لا يريد وأورده المهالك، والمرء يحسب في ذلك كله أنه ينتصر لنفسه، [ص 191] ويُنْفِذ رأيه، ويحقق مراده. لذا، فقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الوقوع بمثل هذا الفخ الشيطاني المتكرر، حيث حذر عليه الصلاة والسلام مراراً من الغضب، وأرشد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى قول الكلمة الطيبة، وإلى أن يملك المؤمن نفسه عند الغضب، وأن يكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وبالوضوء عند الغضب، وبتغيير هيئة الغضبان بجلوسٍ بعد قيام، وباستلقاء بعد جلوس، مما يسهم في إطفاء جذوة تلك الجمرة المتوقدة في قلب الغضبان.
قال الله تعالى: [آل عِمرَان: 134] {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
وقال رسول صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ (1) .
وقال عليه الصلاة والسلام: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (2) فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون.
[ص 192] وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى مايطفئ الغضب، من تغيير هيئة، فقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوْ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلَاّ فَلْيَضْطَجِعْ (1) . وأوصى عليه الصلاة والسلام جاريةَ بن قدامة رضي الله عنه، بقوله مراراً: لَا تَغْضَبْ (2) .
* … والحَيْرة: وهي كثرة التردد، وذلك سبب مؤكد لاستهواء الشيطان ابنَ آدم بإضلاله، وتسييره إلى مَهلِكه، لكنِ المؤمنُ يحزم أمره فيما يريد في حياته الدنيا، وغيره قد تلمّس معالم طريقه من وحي شيطان إنس أو جن فاجتالته الشياطين وألقت في رُوْعه الشبهات وتلاعبت به حتى ضلّ فألفى الأفّاكون طريقاً إليه، فهلك هلاكًا محتماً، والعياذ بالله تعالى.
قال تعالى: [الأنعَام: 71] {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ … } (3) ، وقال سبحانه: [النِّسَاء: 143] {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ … } ، وقد أرشد الله عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ومن بعده أمته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: [آل عِمرَان: 159] {فَإِذَا عَزَمْتَ [ص 193] فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشدًا أمته صلى الله عليه وسلم: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا يَقُولَنَّ: اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّه لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ (1) .
فتأمّل - رحمك الله - إن كان العزم مأموراً به في الطلب من الله تعالى - مع أن الأصل هو كمال التأدب مع الربّ سبحانه وتسليم الأمر إلى مشيئته تعالى - فكيف بما هو دون ذلك من الأمور؟!.
* … والتبذير، بالإسراف في الإنفاق، ومجانبة التوسط فيه، وكذلك في الإنفاق بغير وجه حق، أوفي معصية، أو في الحث عليها، والمؤمن يجانب ذلك كلَّه، فيكون إنفاق النعمة - من مال وغيره - عنده قوامًا بين الإسراف والتقتير، مع إعطاء كل ذي حقٍّ حقه، وفي طاعة الله بمباح أو قُرْبَةٍ. وهو يعلم أن مِنْ أَحَبِّ ما يُنفَق به المال عند الله تعالى: ما كان زكاةً، أو صلة أرحام، أو إحساناً إلى جار مسكين، أو إجابةً لسائل. وحيث يجانب المؤمنُ ذلك فقد قارب التشبه بصفة الشيطان في التبذير والسَّفَه، ومقاربة المعاصي واجتناب الطاعات، وفي ذلك كفر بالنعمة وجحود بها، وإنكار لها، باستعمالها بغير ما وُهِبَتْ لأجله، فيتآخى المسرف المبذر مع [ص 194] الشيطان من هذه الحيثية، فيكون للشيطان على إخوانه المبذرين سبيل للغواية وتسلط على قلوبهم الجاحدة - بواقع حالهم - بنعمة الله تعالى.
قال تعالى: [الإسرَاء: 26-27] {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا *} .
وقال سبحانه: [الفُرقان: 67] {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ (1) . وجاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، مَنْ أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ (2) .
وقد أخبر - عليه أزكى صلاة وأتم تسليم - رجلاً ذا مال كثير وذا أهل وولد وحاضرةٍ، كيف يصنع بماله، فقال صلى الله عليه وسلم: تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصلُ [ص 195] أَقْرِبَاءَكَ، وَتعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ … (1) .
* … والجدال بالباطل، ومردّه إلى (إعجاب كل ذي رأي برأيه) (2) ، وأصله من الكِبْر المذموم، والجدل مشتق من محاولة كل من المتخاصمين جَدْل صاحبه عن رأيه، فإن كان بغير وجه حق سمي مِراءً، وهو المعنيّ هنا، وإن كان بالحق سمي جدالاً، وقد فطر الإنسان على حب المجادلة، فمن أعمل ذلك من غير حجة بينة وكان قصده إعلاء كلمته وإظهار مذهبه تعظيمًا لشأن نفسه وتحقيرًا لنظيره، لا إظهارًا لوجه الحق الذي التزمه، وجد إذ ذاك غيظًا في قلبه واستفاض حَنَقاً على صاحبه، فإن قهره الخصم بحجته الدامغة استحال الغيظ غِلاًّ في قلبه، حتى إذا تظاهر أنه نسي تلك الجولة الخاسرة، تحوّل الغِلُّ في قلبه إلى إِحَنٍ وحقد دفين، وهو أخطر مدخل للشيطان على قلبه، حيث يبقى صاحبه يتحين الفرصة ليُنفِذ غيظه، ولينقضّ على صاحبه فيفتك به. إن مثل هذا المشكِّك بالحق - لأجل رأيه - لا ريب أنه ولي للشيطان، قد زخرف له مولاه الكِبْرَ والمماراةَ على أنها فضيلة يُتوصَّل بها إلى تحقيق الذات وقهر الخصم. هذا، فضلاً عما يورثه هذا الجدل من تحريش من الشياطين بين [ص 196] المتخاصمَيْن، وقد تتعصب لرأي كل واحد منهما زمرة، مما يثير العداوة والبغضاء بينهم، وقد تجد أحدهم على أتم الأهبة والاستعداد لعمل ما بوسعه ليوقع الضر بصاحبه وقد يسلب عقله بسحر، أو يفرق بينه وبين من يحب، أو يتسبب في إمراضه، أو حتى قتله، وهذا عين ما يبغيه الشيطان وأتباعه من تحريش بين الناس، وإيقاع العداوة بينهم.
- … قال تعالى: [الكهف: 54] {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} .
- … وقال سبحانه: [الأنعَام: 121] {وَإِنَّ الشَّيْاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .
- … وقال عزّ شأنه: [غَافر: 56] {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} .
- … وقال تقدست أسماؤه: [الأنعَام: 112] {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *} .
- … وقد طرق النبي صلى الله عليه وسلم باب حجرة علي وفاطمة عليهما السلام ليلةً، فقال: أَلَا تُصَلِّيَانِ، فقلت - أي علي رضي الله عنه: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعَثَنا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ - وَهُوَ مُوَلٍّ [مُدْبِرٌ] يَضْرِبُ فَخِذَهُ - وَهُوَ يَقُولُ: {وَكَانَ الإِنْسَانُ [ص 197] أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54] (1) .
* … والعمد إلى تغيير خلق الله تعالى، وهو من أعظم ما يستهوي الشياطين، والعياذ بالله عز وجل، فتعمد إلى تزيين ذلك للناس، فيقع كثير منهم في هذا الشَّرْك، متوهّمين بأن هذا التغيير يحسّن مظهرهم ويرفع منزلتهم، وقد لا يقتصر هذا التغيير على صاحبه، بل قد يسّول له الشيطان أن يتعدى ذلك إلى محاولة تغيير وتشويه خلقٍ آخر، وهذا عين ما فعله بعض مشركي العرب، حيث عمدوا إلى تشقيق آذان الأنعام وجعله سمة وعلامة لتحكمهم بجواز الانتفاع بها، أو حرمة ذلك، أو اختصاص هذا النفع بأناس دون آخرين، ومن ذلك ما ادَّعَوْه افتراءً من [بَحِيرة، أو سائبة، أو وصيلة، أو حامٍ] (2) ، فوقعوا [ص 198] في تغيير دين الله، ومحادّة ما شرعه لخلقه، واسترضَوْا بذلك الشيطان الرجيم، ومن ثَمَّ استحوذ عليهم فمَرَدُوا على الشرك، وحاربوا دين الله حرب استماتة لا هوادة فيها. ويتبين من ذلك أن تغيير خلق الله، هو مدعاة لطرد الإنسان من رحمة الله تعالى، ذلك أنه - في حقيقته - تدخُّلٌ سافِرٌ في حق التشريع الذي هو من أخص خصائص الألوهية.
ومما يدخل في تغيير خلق الله تعالى ما يحرم من زينة النساء: كالوشم (1) ، والنَّمْص (2) ، والتفلُّج (3) في الأسنان ووصل الشعر، وما يحرم من زينة الرجال: كالتزين بما اختُصّت به النساء من لباس، أو تحلٍّ بذهب، أو ادهانٍ بطِيب ملوّنٍ كحناء في اليدين أو الرِّجْلين، أو تَزَعْفُرٍ (4) لكونه مختصاً بالنساء، وكذلك التزيُّن بما فيه مُثْلة أو تشويه للخِلْقة، كالقَزَع (5) ، وغير ذلك كثير مما يطلع به علينا، [ص 199] أصحاب (التقليعات الغربية) وإنْ كلُّ ذلك إلا مدعاة للشياطين لاستخفاف نفوس فاعليه، مما يتسبب باستهوائها لتلك الأنفس، ومن ثم استعبادها وإضلالها.
وهاك ما يدل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على التحذير مما سلف ذكره:
قال الله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطاناً مَرِيدًا *لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا *وَلأَُضِلَّنَّهُمْ وَلأَُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً *} [النِّسَاء: 117-119] .
وقال عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ *} [المَائدة: 103] .
وقال عز وجل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *} [الرُّوم: 30] .
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الرُّوم: 30] ، قال بعضهم: معناه لا تُبدِّلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطَّلَب، كقوله تعالى: [آل عِمرَان: 97] {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} ، وهذا معنى حسنٌ صحيح. اهـ (1) .
[ص 200] والمعنى المقصود: أمّنوا - أعطوا الأمان - كمن استأمن بدخوله بيت الله المحرّم.
وقال الإمام البخاري رحمه الله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} : لدين الله. اهـ (1) .
وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال في خُطبته: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي، يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَا نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا … الحديث (2) .
وفي الصحيح عن ابن مسعود - مرفوعًا - قال: لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، وقال: مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحَشر: 7] (3) .
وقد تزوجت جارية من الأنصار، فمرضت وتمعّط شعرها، فأرادوا أن يَصِلُوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ [ص 201] وَالْمُسْتَوْصِلَةَ (1) .
أما تشبُّه كلٍّ من الجنسين بالآخر، فقد لَعَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ (2) . وقال صلى الله عليه وسلم: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (3) .
وقد «أُتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم بمُخنَّثٍ قد خضب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال هذا؟» ، فقيل: يا رسول الله، يتشبَّه بالنساء! فأُمر به فنُفي إلى النقيع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ (4) .
وأما حرمة تختم الرجل بذهب، فقد رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ [ص 202] خاتمك انتفِعْ به، قال: لا واللهِ، لا آخذه أبدًا، وقد طَرَحه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .
وأما كراهة التَّزَعْفُر، فقد نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ (2) .
وأما كراهية القَزَع، فلِما صح أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ القَزَعِ (3) .
* … والعمد إلى أفعال يحبها الشيطان، قد لا يلقي لها المؤمن بالاً، ومن ذلك:
1- … الإكثار من التثاؤب.
2- … ترك القيلولة (وهي نومة يسيرة قبيل الزوال) .
3- … الجلوس في مجلس الشيطان، وهو الموضع الذي تخلله الظل والشمس.
[ص 203] 4- … الأكل والشرب بالشمال، والأخذ والإعطاء بالشمال.
5- … ترك التأذين (المناداة للصلاة) .
6- … النوم الطويل، وترك قيام الليل.
7- … ترك اللقمة إذا سقطت على الأرض، لما فيه من تفريطٍ بنعمة الله تعالى.
8- … المكث على غير وضوء، وترك صلاة الجماعة في المسجد.
9- … اقتناء كلب (لغير صيد أو حراسة أو زرع) ، أو وضعِ صورٍ في البيوت، لذوات أرواح، ولو لم يكن لها ظِلّ.
10- … العمد إلى الأكل منفردًا، والإكثار من المأكل والمشرب، لحد الشِّبَع والتُّخمة.
ومن أدلة النهي عما سبق بترتيبه:
1- … قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبَ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» (1) .
2- … ترغيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيلولة، معللاً ذلك بأن الشياطين لا تقيل. قال صلى الله عليه وسلم: قِيلُوا، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ (2) .
[ص 204] 3- … نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجْلَسَ بَيْنَ الضِّحِّ وَالظِّلِّ، وَقَالَ: مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ (1) .
4- … قال عليه الصلاة والسلام: لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا (2) . وقال صلى الله عليه وسلم: لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ (3) .
5- … قال النبي عليه الصلاة والسلام: إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتّى لَا يَسْمَعَ الأَْذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَْذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ … الحديث (4) .
[ص 205] 6- … قال الله تعالى: مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: [المُزّمل: 1-4] {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *} .
ويقول عليه الصلاة والسلام: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلْ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَاّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ (1) .
7- … قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُم عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ (2) .
8- … سمع عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلَاّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ (3) .
[ص 206] وقال عليه أعطر الصلاة وأزكى التسليم: إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ (أَوِ الْمُؤْمِنُ) ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ - نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ - مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيَئةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ (1) . فأكرِمْ بمنزلةٍ نزلها المُسبِغُ لوضوئه، الماشي إلى الجماعات، فقد أخزى اللهُ شيطانَه، وسلّمه من مكائده، وجعل سعيَ شيطانِه هباءً منثورًا، لمّا أشغل قلبه وجوارحه بطاعة مولاه سبحانه.
9- … قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَاّ كَلْبًا ضَارِياً لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ (2) .
وقال عليه الصلاة والسلام: مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَاّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ (3) .
[ص 207] ويقول عليه الصلاة والسلام: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ (1) .
10- … قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، قال: فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ قالوا: نعم. قال: فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبارَكْ لَكُم فِيهِ (2) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ، يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرَابٍ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ (3) .
أخي القارئ، تلك تحصينات أربعة أوردتُّها مدلِّلاً عليها، فاجتهد وُسْعَك في حفظ الله تعالى يحفظْك، فإنك إن فعلت فلن يضرك شيء بعدها، - شيطان ولا غيره - لكنَّ ذلك لا يمنحك عصمة مستمرة، [ص 208] فالعبد المؤمن قد يغفُل عن صنوف الحفظ تلك، لا بعمدِ محادّةٍ، لكنْ بغلَبة نفسٍ وميلِ هوىً، ثم إن العائن مثلاً قد يتوجه إلى نعمة أنعمها الله على عبد، فيَعِينُه - إذ لم يبرّك عليه -، أو يسلِّط ساحرٌ لَعِيْنٌ خادمَه ابتداءً على عبدٍ أذيةً له، أو استرضاء لعدوٍّ متربصٍ به، فبحسب تمكن العبد من تحصين نفسه، يتفاوت ضُرُّ ذلك عليه، أو يتملكه الضرّ حال خلوّه من التحصين، عياذاً بالله تعالى. لذا فإن عباد الله تعالى، يعمدون عند ذلك إلى الاستشفاء بما شرعه الله تعالى لعباده من رقى، وبما أنزله لهم من دواء، وهو ما سأعمد إلى بيانه - إن شاء الله - في فصلين؛ اختُصَّ الأول منهما ببيان أنواع الأمراض وأصول التداوي، مع ذكر بعض الأدوية النبوية، والآخر ببيان رقى مشروعة، قد جمعتها من مَعِين كتاب الله تعالى، وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، أعانني الله وإياك على فقهها والالتزام بها، آمين.