مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 28] 2- المسُّ، ومن أثره الصَّرْع: إن من المسلّم به لدى كل مسلم - ولله الحمد - الإيمان الجازم بما نُصَّ عليه في كتاب الله تعالى، وبما صحّ من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومما يدخل في ذلك التسليم بوجود الجن، وهذا مما أجمع عليه سلف هذه الأمة وخَلَفُها شرَّفها الله. ولكن، ما تأثير هذا الخلق على الإنس؟
إن جمهور أهل العلم يُثبِتون أثراً للجن على الإنس، فإنْ تسلَّط شيطان من شياطين الجن على إنسي تخبَّطه بمسٍ - والعياذ بالله -، وهذا المس له عندهم مفهوم شامل ينضوي تحته كل أثر له، ومن ذلك الوسوسة المعنوية، ومن أثرها اللمّة، وهي: خاطر يفضي إلى كثرة التردد في الأمور، أو الميل إلى الشر والانصراف عن الخير، وقد تبلغ الوسوسة في صدر الإنسي حدَّ سَلْبِه لإرادته، وقد يتبع ذلك الأذى النفسيَّ المسُّ الحسيُّ - وهو التخبط - وهو أذى وتعدٍّ مادي جسدي يؤدي إلى اختلال الحركات، فيتخبط الممسوس في مشيته مثلاً، أو يفقد السيطرة على تصرفاته، وهذا ما يسمَّى بالصَّرْع، وقد يصل الصَّرْع إلى حدّ التلبس التام، فيكون المسُّ عندئذ سيطرةً تامة على العقل والجسد، فيُعَلّ الممسوسُ بسببها جسداً ونفساً، ويؤثر ذلك على عقله، فيصيبه لمم (طرف جنون) أو جنون تام، والعياذ بالله، فلا يعي بعدها ما يقول، وقد [ص 29] يقول ما لا يريد، أو ما لا يُفْهَم، وقد يؤذي غيره، وهو مسلوب الإرادة، وقد يكره العبادات، ويكون الكاره - على الحقيقة - هو الشيطان الذي استهواه فمسه فتلبَّس به.
وخلاصة ذلك أن المس من قِبَل شيطان من شياطين الجن لإنسان، هو التعرض له بأذىً: بدءاً بالوسوسة، مروراً بالصَّرْع، وانتهاءً بالتلبس، نسأل الله العافية.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] .
وقال تعالى: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَْرْضِ حَيْرَانَ} [الأنعام: 71] . وقال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *} [سورة الناس] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة (1) أتت تشكو إليه أنها تُصرع وتتكشّف: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فقالت: أصبر، ثم قالت: إني أتكشّف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فَدَعَا لَهَا صلى الله عليه وسلم» (2) .
[ص 30] وقال عليه الصلاة والسلام: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ (1) .
3- الاستعانة: ويُعنى بها - اصطلاحًا -: قصد طلب العون من الجن خاصة، ومن شياطينهم بصورة أخص، وهو ما يسمى بـ (دعوة الجن) ، وقد يُلجأ إليه - والعياذ بالله - عند العلاج من مس أو سحر أو ربط ونحو ذلك.
- قال الله تعالى: [المَائدة: 2] {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
- وقال سبحانه: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا *} [الجن: 6] .
- وقال الله عز وجل: [سَبَإ: 41] {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} .
وقد أفتى علماء أعلام في عدم جواز الاستعانة بالجن - فيما فيه إثم أو عدوان -؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بقوله: (من كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله، إما في الشرك، وإما في قتل معصوم الدم، أو في العدوان عليه بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة كجلب من يطلب الفاحشة، فهذا [ص 31] قد استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاصٍ؛ إما فاسق وإما مذنب غير فاسق) . اهـ (1) . وكذا أفتى بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله، وقد علل رحمه الله عدم جواز استخدامهم في العلاج بكون ذلك وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم، لأن فيهم من هو كافر ومن هو مسلم ومن هو مبتدع، ولا تُعرف أحوالهم فلا ينبغي الاعتماد عليهم ولا يُسأَلون ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس، وقد ذمّ الله المشركين بقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا *} [الجن: 6] ، ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك) . اهـ (2) .
وقد يحسن في هذا المقام ذكر بعض أقوال أهل العلم في معنى الرَّهَق من قوله تعالى: {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] .
قال الإمام القرطبي رحمه الله: (رهقاً، أي خطيئة وإثماً. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، والرَّهَق: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم) (3) .
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: (رَهَقاً، أي: إثماً، وازداد الجن عليهم جراءة.... وقال عكرمة رحمه الله: فدَنَوْا من الإنس فأصابوهم بالخَبَل والجنون، وقال مجاهد رحمه الله: زاد الكفار طغياناً) (4) .
[ص 32] تفصيل القول في شأن الاستعانة بالجن:
يتبين من مجموع النصوص الشرعية، ثم من ثاقب فهم أهل العلم لها - جزاهم الله خيراً -، يتبين أن الاستعانة لفظ مجمل يندرج تحته مسمَّياتٌ شتى، فلا يسوغ الحكمُ بتحريمها على وجه الإجمال، بل يُنظَر فيما قُصِد بها، وبأي وسيلة تمت، فيكون الحكم بحسب ذلك النظر، وهاك بعض تفصيل لذلك:
- الاستعانة بمعنى الاستعاذة، ووسيلتها التوجّه، ومثالها: توجه بعض مشركي العرب إذا نزل وادياً مقفراً للالتجاء إلى سيد القوم من الجن في ذلك الوادي، ليقيَه الضُّرَّ - المحتمل حصوله من أشرار قومه - في نفسه أو ماله أو ولده، أو حتى ماشيته، وهذا، ولا ريب، فيه توجه إلى ما يظنه المستعيذ سلطاناً قاهراً يتملكه الجن، فيكون فيه نوع تعظيم لهم، فيحرم لذلك، بل ويكون فيه نوع شرك، لكون الاستعانة - بما لا يقدر عليه إلا الله - عبادة لغير الله سبحانه. قال الإمام القرطبي رحمه الله: (ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك) (1) .
- الاستعانة بمعنى الاستمتاع، ووسيلته الإقسام على الجن بأسماء من يعظّمونهم، فيحصل بذلك لكبراء الجن الرئاسةُ والجاه - بزعمهم - على الإنس فضلاً عن الجن، فينالون به حظاً من حظوظ الدنيا فيتلذذون لذلك. أما قضاء الحوائج للإنس مما يقدر عليه الجن، فإنه يحرم أيضاً، لكونه وسيلة للاعتقاد، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم.
[ص 33] هذا إن لم يكن فيه إقسام على الجن بعظيم عندهم، أو لم يكن فيه طلب لأمر غيبي اختص الله بعلمه به، فإن كان فيه شيء من ذلك فهو شرك صريح وعبادة ظاهرة لهم، والعياذ بالله تعالى.
- الاستعانة بمعنى الاستخدام، ووسيلته: أن يطلب الإنسي المؤمن من جنٍ أداء طاعة لله تعالى، كأن يبلِّغه علماً نافعاً، ثم يطلب منه تبليغه لمن خلفه من نظرائه من الجن، وهذا جائز محمود، وهو من قبيل الدعوة إلى الله تعالى.
- الاستعانة بمعنى الاستخدام الخاص، وهو فيما اصطلح عليه السحرة في معنى الاستخدام، ووسيلته أن يتقرب الساحر إلى شيطان من شياطين الجن بأفعال يحبها، كأن يتقرب إليه بذبح، أو بفعل فاحشة، أو بترديد عزائمَ شركيةٍ، ونحو ذلك، فيعطي ذلك الشيطانُ عندها العهدَ للساحر بأن يلزم طاعته كلما طلب ذلك. وهذا - ولا شك - محرم وهو شرك بالله، وكفر بدينه، والعياذ بالله.
الاستعانة بمعنى الاستحضار، وهو نوعان، وسيلة الأول منهما ادعاء طلب استنزال روح من أرواح الملائكة عليهم السلام، والآخر طلب تلبس جني بجسد إنسي، لتدل الملائكة في الأول، أو الجني في الثاني - بزعمهم - على اسم سارق ما، أو مكان مسروق، أو متى وكيف وأين تمت السرقة، وهو ما يعبَّر عنه بالمندل، وسوف يأتي تفصيل له، وهو محرّم لاشتماله على اعتقاد ما لا يصح في حق الملائكة عليهم السلام من معصية الله تعالى، ولتضمنه استعانة بهم أو بالجن المسمَّوْن عندهم: خُدّام المندل.
[ص 34] وطرق الاستعانة كثيرة متشعبة، ليس القصد في هذا المقام حصرها، لكن بيان بعضها، وذلك ليُعلَم تغايرُ أحكامها تبعاً لوسائلها والغاية منها، وأن أغلب ما يتخذه الإنس من وسائل لتحقيق الاستعانة، يدخل فيه نوع شرك، من عمل مذموم تحبه الجن، أو إقسام وعزائم تستمتع بسببها الجن بالجاه، أو يستمتع بها الإنس بتحصيل مال أو رياسة، أو بادعاء كهانة أو فك سحر، أو جلب غائب، أو دفع مس ونحوه. قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *} [الأنعام: 128] .
وفيما يأتي أخص بعض طرق الاستعانة المحرمة بالذكر تفصيلاً، وذلك لاشتهار العمل بها لدى السحرة والدجاجلة المشعوذين.
ومن ذلك: المندل - الزار - قياس الأثر.
4 - المندل: وهو: مصطلح لديهم - عنيتُ أهل السحر والشعوذة، قاتلهم الله - يعني: استحضار جني كافر بطريق تكرار تعويذة تسمى: عزيمة، يكون الساحر، والعياذ بالله، قد توافق على صيغة لها مع شيطان الجن، بحيث تصير كالعهد بينهما، ويكون ذلك بعد استرضاء الساحر للجني بتلبية طلباته جميعِها، ولو اشتملت على ارتكاب محرم أو تلفظ بشرك، فإذا استرضاه بذلك عاهده بالتعويذة - وهي تكون متضمنة شركًا صريحًا، وتكون غالبًا بكلمات غير عربية كالسريانية مثلاً -، وكلما تلا المعزِّم التعويذة حضر خادم المندل فيستعمله فاتح المندل، [ص 35] أي الساحر أو المشعوذ، في الاستدلال على غائب كمسروق أو مفقود ونحوه. وتفصيله: أن يُحضِر الساحر طفلاً لم يبلغ الحُلُم حال كونه غير متوضئ! فيكتب آية من القرآن على جبهته، وغالباً ما يكتبون قوله تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ *} [ق: 22] ، ثم يحمّله فنجاناً يضع فيه حبراً أو زيتاً، ثم يقرأ المعزِّم - الساحر - العزيمةَ المتوافَق عليها، فيرى الطفل في الفنجان الجنيَّ المحضَّر، فيسأله عن المفقود فيجيبه وهو يرى صورته متمثلاً بحبرٍ أو زيت ونحوهما، فإما أن يريه الجنيُّ المفقودَ فيعرف مكانه، أو يكتب له بحروف متفرقة على لوحٍ يراه الطفل، وربما سأله عن السارق فيكتب، وهكذا. ويُلحَظ في هذه الطريقة انتشارها، فربما قام بها دجال مشعوذ، أو ساحر، أو حتى مَنْ ظاهرُه الصلاح، فيلبّس على العامة أمر دينهم، ويوهمهم بأن الجن المؤمن يخدمه بطريق المندل، فليُحذر من ذلك أشد الحذر.
ومما يشبه فتح المندل من طرق الاستعانة المحرمة: طريقة الكف، وفيها يرى الطفل الصُّوَر في كفِّه، وقد رسم الساحر عليه مربعاً كتب حوله طلاسم، وجعل في وسطه زيتاً أو حبراً، ثم يتلو الساحر عزيمة شركية. ومؤدّى الطريقتين واحد، وهو ادعاء كشف الغائب، ومعرفة مكان المفقود أو المسروق ونحو ذلك بطريق الاسترضاء.
5 - الزار أو دَقّة الزار، ويقصد به: التقرب إلى شيطان من شياطين الجن، بتلبية جميع طلباته من ذبح لغير الله تعالى، وارتكاب محرم كاختلاط رجال بنساء، وربما زانى بعضهم ببعض، وذلك ليزورهم ذلك الشيطان، فيُخرج - بزعمهم - شيطاناً آخر كان قد سبقه فتلبس في جسد إنس، (غالباً ما تكون امرأة) ، فيقام حفل توسم فيه تلك [ص 36] المرأة عروساً، وتضرب من حولها الدفوف، ويُهلُّ به بالذبح تقربًا لغير الله تعالى، ويلطخ بالدم المهراق وجه تلك العروس، فتصرخ صرخة أو يصرخ منظّم الزار، مؤذِناً بتحقق تخلّصها من الجن الذي تلبس بها. وفي هذه الأثناء - عند ضرب الدفوف وإضاءة الشموع ودوران الرجال والنساء حول العروس التي قد تعتلي متجملةً سُدّة تتوسطهم، أو تكون معتلية ظهر حصان أو جمل - في هذه الأثناء قد يختلي رجال بنساء بقصد الاستمتاع المحرم. وما سبق يكون في حالةِ كان مرض المرأة تلبُّس جنيٍّ، أما إن كانت راغبة بالولد ولا طاقة لزوجها بذلك، فقد يقوم منظّم الزار - أو من ينيبه - بتلك المهمة بدلاً عنه، ويتم الإعلان بعدها بأنها قد شفيت من عقم مزمن، أو تعافى زوجها ببركة الزار، وما قدمته من غالٍ ونفيس، لمنظِّمه ومستدعي زائر الحضرة من الجن الصالح!! هكذا ينفد ما في الديار لإقامة الزار، وينفد ما في الجيب لمعرفة ما في الغيب، وصدق القائل في وصف الزار وتكلفته الباهظة، بقوله:
ثلاثة تشقى بهنَّ الدارُ … العرسُ والمأتمُ ثم الزَّارُ
ومعلوم لديك - أخي القارئ - انتشار هذه الطريقة من طرق الاستعانة انتشار النار في الهشيم في بعض ديار المسلمين، بل إن الأدهى من ذلك كلِّه كثرةُ عرض حفلات الزار - وما يحصل بها من مخازٍ فاضحة - في عروض تلفازية وسينمائية، حتى لَيُخيَّل لمن يراها بأن ذلك هو من مسلّمات الدين، وشعائره التي لا يُعذَر المسلمُ بالجهل بها، فيتم بذلك التلبيس على [ص 37] المسلمين عامةً، وتنفير غير المسلمين من الالتحاق بهم فيما لو توافرت لديهم النية لذلك، أو كانوا من المؤلَّفة قلوبهم!!
6 - قياس الأثر: وهي - كما سبق - طريقة من طرق الاستعانة بالجن، ويطلب الساحر فيها أثراً من أثر المريض، كمنديل له، أو عمامة ونحو ذلك، مما يحمل ريح عرق المريض، ثم يعقد هذا المنديل من طرفه، ثم يقيس مقدار أربع أصابع من بعد العقدة، ومن ثَمّ يمسك المنديل إمساكاً محكماً، ثم يقرأ سورة التكاثر أو أي سورة من قصار المفصّل ويرفع بها صوته، ثم يُسِرُّ بقول طِلَّسم شركي، ينادي به الجني، ويسأله أن يقصّر الأثر إن كان بالمريض مس من الجن، وأن يطوّله إن كان به عين، [أو العكس] (*)
، وأن يُبقيَه على ما هو عليه إن كان المرض مرضاً عضوياً أو نفسياً، ثم يتم القياس بعد ذلك، فإن نقص عن أربع أصابع استعان بالجني أو بمن هو أعلى منه وأقدر على إخراج مَنْ مَسَّهُ من الجن، وإن زاد عَمَد إلى معالجته من العين، بطرق مقررة من اغتسال العائن ثم صب الماء على رأس المعين بغتةً مِنْ خَلْفِه، أو يتوضأ العائن، ثم يغتسل منه المعين، أو بقراءة الرقى المشروعة في ذلك، وإن بقي الأثر على ما هو عليه - لم يزد ولم ينقص - أَمَر المريضَ بالاستطباب لدى أهل الطب" (1) .
وهذه الطرق الثلاثة السالفة، - المندل والزار وقياس الأثر - هي ولا
[ص 38] شك طرق استعانة شركية محرّمة، وقد يكون أخطر ما فيها: الاستهزاء بدين الله تعالى، حيث استخف به المعالِجُ والمعالَجُ، فأعرضا عنه، واستبدلا الذي هو شر بالذي هو خير، وتعلّقا لدفع الضر بغير الله عز وجل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدْعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ (1) ، فإذا تخلّى الله تعالى عن هؤلاء جميعهم، وأَذِن تعالى بإيقاع الضرر عليهم، وتركهم إلى ما وثقوا به واعتمدوا عليه من دون الله عز وجل، فلا يلومن أحدُهم إلا نفسَه.
وخلاصة ذلك أن كل استعانة صريحة بمخلوق، وطلبٍ منه، أو مناداةٍ له، أو دعائه، فهو بلا ريب مما يُغضِب الربَّ سبحانه، لأنه في حقيقته عبادة لغير الله، والعياذ بالله. قال تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} [الفاتحة: 4] . فانظر كيف جعل سبحانه الاستعانة به استمداداً للمعونة الإلهية، ولياذاً بالحضرة الربانية، مع التبرؤ التام من الالتجاء والتوجه لسواه تعالى، وبدهي أن ثمرة ملازمة ذلك يعود نفعه على العبد، كما أن التجرؤ على مخالفة ذلك ضرره عظيم واقع على العبد لا محالة، وقد كان من لطف الله بعباده أن أرشد إلى وجوب الاستعانة بجلاله، فهو تعالى مستغن عن خلقه قاهر فوق عباده.
7 - 8 -9 - العِرافة والكهانة والتنجيم: أما العرافة: فهي ادعاء معرفة أمور من الغيب، بمقدِّمات يستدل بها مدَّعي ذلك (2) . فإن استخدم ذلك العرّافُ شياطين الجن ليعلموه شيئاً من علم الغيب، سمي العرّاف كاهناً، فالكهانة إذاً هي: ادعاء علم الغيب بوساطة [ص 39] استخدام الجن (1) ، فإنْ كانت المقدِّمات متعلقةً بحساب الأحوال الفلكية وتأثيرها على الحوادث الأرضية سمي العرّاف عندئذٍ منجماً، فالتنجيم علم تخميني لا يقيني (2) ، الغرض منه الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين تلك القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون (3) . ومن التنجيم أيضاً ما يسمى بـ (الموالد) ، وهي أن يدعيَ بطريق معرفة النجم الذي كان طالعاً عند ولادة الشخص، أنه يكون سلطاناً أو عالماً، أو غنياً أو فقيراً، أو طويل العمر أو قصيرَه، ونحو ذلك (4) . فإن خلت تلك المقدمات عن إخبار الشياطين وعن الاستدلال بسير الكواكب في مجاريها، سمي فاعل ذلك عرّافاً وحسب.
ومما يدخل في العرافة أيضًا: الاستدلال بقراءة الزهر، وبقراءة الفنجان، وبالضرب بالحصى، وبحساب الطالع، وبورق اللعب (الشدة أو الكوتشينة) ، والفتح بالسبحة، وقراءة الودَع، كل ذلك يعتبر من صنوف العرافة، إن لم يكن فيه إخبار من شيطان للعرّاف فإن تضمن ذلك كان كهانة، وإن تضمن قراءة جداول الكواكب وتفسيرالأرقام تبعاً لها، فيكون عندئذٍ تنجيماً. فالعرافة - كما سبق - لفظ عام قد ينفرد، وقد يندرج دونه مصطلحا الكهانة والتنجيم، وغيرهما، وذكر بعض أهل العلم أن الفرق بين العرافة والكهانة - مع أنهما يشتركان في دعوى الاطلاع على الغيب-: (أن العرافة تكون مختصة بالأمور الماضية، والكهانة مختصة بالأمور المستقبَلة) (5) .
[ص 40] وهاك أخي القارئ، تفصيلاً لبعض من أنواع العرافة المشتهرة:
10 - قراءة الزهر المرقّم: وهو حجر بشكل مكعب موسوم في جهاته الست بأرقام من واحد إلى ستة، وهو معروف بـ (زَهْر لعبة الطاولة) ، حيث يُلقى هذا الزهر ضمن دائرة، فإن استقرَّ بها، يُقرَأ الرقم الظاهر في جهته العليا، ثم يُعمَد إلى تفسير الرقم بحسب ما تقضي به جداول الكواكب، المتوافرة لديهم: جدول (1) (2) … إلخ. وإن استقر الزهر خارج الدائرة، فإن الشخص - بزعمهم - سيصادف شقاقاً عما قريب!!
11 - علم الأسارير، وهو علم باحث في الاستدلال (بالخطوط الموجودة في الأكفِّ والأقدام والجباه، بحسب تقاطعها وتباين أطوالها، وتقدير المسافات بينها) يستدلون بذلك على أحوال الإنسان النفسية، وآتي أمرِه من شقاوة أو سعادة، وغنى أو فقر، ونحو ذلك.
12 - قراءة الفنجان: والمقصود بذلك، ادعاء تفسير أثر (القهوة المعروفة بـ: التركية) المتبقي في الفنجان، من بعد احتسائها، حيث يُدار الفنجان باليد اليسرى مرات، ومن ثَمّ يُكفأ على حافته، ليُرفع بعدها، وليشرع قارئه (المبصِّر) بقراءته بحسب ما يعرف من رموز به، فما كان من رمز في قاع الفنجان فهو يمثل المستقبل، وما كان قريباً عند حافة الفنجان فهو حاضر محتسي القهوة، ثم إن ظهر - مثلاً - شكل يشبه حصاناً فهو عريس الهنا لمن شربت القهوة، وإن كان ما ظهر يشبه دجاجة، فهو دلالة على البشارة بالإنجاب والإخصاب، أما الدائرة فتمثل عندهم اجتماعاً لعرس مثلاً، ويعبّرون عنها بقولهم (جَمٍْعة على خير) ، وهكذا يفسرون أثر البنّ البرازيلي أو العَدَني، سواء ولا فرق [ص 41] لديهم، كلٌ بحسب حال شارب القهوة!! فإن كانت فتاة قاربت سن العنوسة، سارع القارئ يزفّ إليها بشرى مَقْدم فارس الأحلام ممتطياً صهوة جواد لا يكبو، محمَّلاً بالورود والرياحين!! وإن كان تاجراً بُشِّر بربح وافر في عاجل تجارته، وربما في آجلها، وإن كان طالباً بُشِّر باجتياز الامتحان بتفوق تام على أقرانه، وما يستدعي العجب فعلاً تصديق أكثر الناس بذلك، حتى ولو بلغ أحدهم شأوًا مرموقاً في الثقافة وتبوأ منزلة مشهودًا له بها!! أما عامة الناس، فحدّثْ ولا حرج حيث صارت قراءة الفنجان - عند البعض - دأبهم في كل صباح، حيث تجتمع النسوة في دار إحداهن، ويبدأ من ثمَّ استعراض المهارات في القراءة الرمزية.
ولا يخفى أن جميع ذلك هو من ادعاء العِرافة، فإن حضر كاهن، رجل كان أو امرأة، فأخبر بما يخبره به شيطان الجن من نبإ، مدعياً أنه يستنبطه من أثر خطوط القهوة، زاد عندها الأمر سوءًا وتحولت العرافة إلى كهانة، حيث يجزم الناس - حال صدق الكاهن، ولو لمرة واحدة - بدوام صدقه ووجوب تصديقه، فيعتقدون أحقية اتباع رموز الفنجان، وبأن ارتسامها دال يقيناً على ما اختصّ الله تعالى بعلمه مما قُدّر للمرء في عاجل أمره وآجله! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
"ولا شك في أن هؤلاء المتكهنين من الكَذَبة المتخرِّصين من أهل الحَدْس والتخمين، إنما جعلوا هذه الحيل علامة عندهم.... فهؤلاء الكهنة يوهمون العامة معرفة مستقبل الأمور بالقراءة في الفنجان..... فإذا قُدّر إصابتُهم في بعض الأحيان، فإن ذلك من باب المصادفة، أو من إخبار الشياطين لهم بما تسترق من السمع، وأكثرهم كاذبون" (1) .
[ص 42] 13 - الضرب بالحصى: وهو - اختصاراً - رمي عدد من الحَصَيات غير محدد، أو من الوَدَع (صدف لحلزونات بحرية) ، تُرمى في زاوية، ثم يشرع العرّاف باستعادتها حصاتين حصاتين مثلاً، أو ثلاثة ثلاثة، ثم ينظر ما تبقّى منها بعد ذلك، فإن كان شفعاً (عددًا مزدوجًا) دل ذلك على حُسْنِ الطالع وإن كان وترًا (عددًا مفردًا) دل على سوئه!، وذلك كله من العرافة بالتخمين والحدس، فإن أصابت أحياناً، فهو من باب المصادفة، فإن كان من يعمله كاهناً قد أخبر بما استخبر به شيطانَه، صارت من الكهانة المحرمة، والله أعلم (1) .
14 - الخط بالرمل: وله مسميات شتى، منها: علم الرمل، وعلم الخط، وعلم الطَّرْق، وعلم الضرب، وطريقته: أن يقوم الخاطّ برسم خطوط كثيرة متفرقة على أرضٍ لينة، يرسمها بخِفَّة بالغة وعَجَلةٍ متعمَّدة، فلا يُعرف عند ذلك عددها، ثم يمحوها خطين خطين، فإن بقي خطان مثلاً كان ذلك علامة على النجاح، وإن بقي خط واحد فهو دليل الخيبة والحرمان" (2) . وهو من العرافة المحرمة، فإن عمله كاهن استعان بإخبار شيطانه، فهو من الكهانة الشركية، ومن ادعاء العلم بالغيب الذي اختص الله تعالى بعلمه.
مسألة: الخط بالرمل علم معروف مشتهر، فهل هو الضرب على الرمل بعينه، أم أنهما متغايران؟
[ص 43] الظاهر، والله أعلم، أنهما متغايران، فالخط بالرمل، هو الرسم ثم الإزالة على ما سبق بيانه، - وهو المسمى بالطَّرْق - أما الضرب على الرمل، فهو رسم خطوط ونقاط تُجمع بعدها ليُستخرج من عددها جملة يستخرج منها برج شخص ما، فيقرأ الضارب بعدها في جداول لديه، وينظر في الجدول المختص بذلك البرج، فيسرد على الشخص أمورًا تتعلق به، وواضح أن هذا [الضرب على الرمل] هو من علم التنجيم المحرم، الموقع بالشرك، وذلك لاعتقاد كلٍّ من المنجّم، والمصدّق له، بتأثير الأحوال الفلكية بالتسبب في مجريات الحوادث الأرضية، واعتقادهما بتحكم العالم العلوي - على ما يزعمون - بالعالم السفلي، ومن ذلك عموم ما يجري على الخلق من نعمة أو شقوة، ومن توفيق أو خيبة، مضاهئين بذلك قول الصابئة عبدة النجوم، والعياذ بالله تعالى.
فائدة: جاء في صحيح مسلم رحمه الله، سؤال معاويةَ بن الحَكَم السُّلَمي رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور منها: الخط، فقال رضي الله عنه: ومنا رجال يخطُّون، فقال صلى الله عليه وسلم: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» (1) .
قال الإمام النووي رحمه الله: [اختلف العلماء في معنى الخط، والصحيح أن من وافق خطُّه خطَّ النبي فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود: أنه حرام، لأنه [ص 44] لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها … ] (1) . فحذار أخي المسلم الحصيف، من تلبيس إبليس وجنده الضعيف، بقولهم: ما دام قد فعله نبي من الأنبياء، فما المانع من فِعْله في حقنا؟! والإجابة كما سلف: (ذلك النبيُّ لا منعَ في حقه، وكذا لو علمنا موافقته، ولكن لا علم لنا بها، وقد حصل اتفاق من العلماء على النهي عنه الآن) (2) .
15 - حساب الطالع: وهو ادعاء معرفة حصول السعادة أو الشقاء لشخص ما، بطريق معرفة اسمه واسم أمه، ومعرفة ما يمثله مجموع الاسمين من الأعداد، بحسب حساب الجُمَّل، (أبجد هوز....) ، وبعد جمع تلك الأعداد، فإنها تقسم على عدد الأبراج الإثني عشر المعروفة (أولها الحَمَل، وآخرها الحوت) ، ومن ثَمّ قسمتها على (12) ، لينظر العرّاف المنجّم بعدها في باقي القسمة، فبحسب هذا الباقي ينظر في جدول لديه مطابق لترقيم باقي القسمة، فيخبره بطالعه وبحظه تبعاً لما احتواه الجدول (3) . وهي طريقة من طرق العرافة المعتمدة على التنجيم المحرم، ثم إن كلاً من العرّاف وطالب قراءة الطالع إن اعتقد أن منزلة الكوكب من القمر تتحكم بمستقبل المرء، وذلك بحسب سعد النجم أو نحسه، فإن ذلك - ولا ريب - أمر موقع بالشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
16 - حساب السُّبحة: وهو أشبه ما يكون بعادة الطِّيَرة
[ص 45] الشركية (1) ، التي كانت في الجاهلية، ثم أبطلها الإسلام، حيث كان أهل الجاهلية يعتمدون على الطير فإن كان سانحاً (أي طار عن يسارك وأعطاك ميامنه) تيمن به المسافر فمضى في سفره، وإن كان بارحاً (أي طار عن يمينك وأعطاك مياسره) تشاءم المسافر به وتطير، وحجزه ذلك عن سفره أو عن أمره الذي عزم عليه. فانظر، وفقك الله، كيف نفى الإسلام الطيرة الشركية التي تردّ صاحبها عن المطلوب، فقال عليه الصلاة والسلام: مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ (2) ، لاعتقاده أن ذلك سبب مؤثر في جلب نفع أو دفع ضر، فاعجبْ بعدها من أقوام لم يَكْفهم تشاؤم من كان قبلهم بمرئي، كجهة طيران طير، أو رؤية غراب، أو رجلٍ أعورَ، أو تشاؤمهم بمسموع كصراخ هامة (بوم) ، [ص 46] أو نعق غراب، وكذا تشاؤمهم بأزمنة كصفر أو شوال، وبأمكنة يزعمون كثرة تغوّل (ظهور) الغِيْلان (أنواع من الجن) فيها، أقول: لم يكفهم ذلك جميعه، حتى عمدوا إلى التشاؤم بعدد حبات السبحة، وبرقم بعينه، وباسم حوى حروفاً كان مجموع أعدادها - للأسف - رقماً كارثياً يجلب الشؤم للمسمى به، فانظر كيف استخف أولئك الدجاجلة ومن أزّهم من شياطينهم بعقول الناس فأطاعوهم.
هذا، وإن طرق العرافة عديدة ليس المراد هنا التعريف بجميعها، لكنِ التحذيرُ من مسلك هؤلاء، ومن الاغترار بهم، فإن أحدنا يتملكه العجَب، بل ويأخذه الذهول أحياناً، حين يرى أحدهم لم يدَعَ سبيلاً للإضلال إلا واتبعه، همه في ذلك كله جمع شيء من فتات الدنيا وحطامها، فتراه يهرع طارقاً أبواب الفضائيات يروّج لكهانته، ويسوّق لعرافته، وقد تجد بعضها يحفِل بهم، يستضيفونهم مكرمين، يستشفون منهم رأيهم في حاضر الأحداث ومستقبلها، ثم تجد بعدها مجلدات لعلماء سموا بالروحانيين حملت عنوان: توقعات سنة كذا، قد انتشرت بين أظهر المسلمين انتشار النار في الهشيم، فيضرب إليهم بعض من عَلِيَّة القوم أكباد الإبل شادّين رحالهم إليهم، مشمِّرين عن ساعد الجِدّ، طلباً لتنبؤات هؤلاء، ولا يرتضون عنها بدلاً، باذلين في سبيل ذلك النفيس من المال، متفاخرين بين أقرانهم بعلو همتهم في ذلك، حتى صار أولئك العرّافون لديهم يتملكون حركاتهم وسكناتهم، فترى أحدهم لا يمكن له اتخاذ أي قرار - حتى لو كان مصيراً له أو لغيره - إلا بعد شَوْر الفلكي، حيث تحول الفلكي لديهم مشعوذاً منجّمًا كاهنًا عرافًا، جمع الشرَّ من أطرافه، لم يَدَعْ شيئاً من التكهن بعلم الغيب المطلق إلا وقال به قوله الذي لا يرد، ومَشُورته التي لا تُخالَف، فإن لم يفعلوا فقد امتنع النفع [ص 47] عنهم ووقع الضر بهم عند مخالفته!! نعم، لقد ضاهأ هؤلاء فعل الأمم السالفة، الذين اتخذوا أصناماً إفكاً آلهة دون الله، لكن المعاصرون قد منحوا هذا التحكم بأقدار الناس للكهنة وشياطينهم، في حين منح أولئك الأقدمون هذه السلطة لأرواح رجال صالحين، زعموا أنها قد استقرت في تلك التماثيل التي كانوا قد عكفوا عليها: يسترشدونها، ويستنفعونها، ويعوذون بها من إنزال ضُرٍّ بهم.
وقد نسي هؤلاء جميعاً قول الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *} [يونس: 107] . وفي حال أمثال هؤلاء وتخاصمهم ومزيد تحسرهم في الآخرة يقول الحق تبارك وتعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ *وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ *مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ *فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ *وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ *قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ *تاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَمَا أَضَلَّنَا إِلَاّ الْمُجْرِمُونَ *فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ *فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ *وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 91 - 104] .
17 - الحسد: وهو مطلق تمني زوال النعمة عن الغير (1) ، وهو داء نفسي - عُضال بغيض - يستقر في نفس الحاسد، مردّه إلى أمرين؛ الأول: كراهة وبغض أن يرى الحاسدُ هذه النعمة على غيره، فيتمنى زوال النعمة عنه، والثاني - إضافةً إلى ما سبق -: مودّته البالغة بانتقال هذه النعمة والفضل إليه، واعتقاده بأنه أحقّ بها من صاحبها.
[ص 48] ومن أدلة وجود الحسد، قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [البقرة: 109] . وقوله سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا *} [النساء: 54] . وقوله جلّ ذكره: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَاّ قَلِيلاً *} [الفتح: 15] . وقوله عز وجل: [الفَلَق] {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} .
ومن أدلة إثبات وجوده في السُّنّة، قوله صلى الله عليه وسلم: وَلَا تَحَاسَدُوا (1) وقوله صلى الله عليه وسلم: لَا يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ: الإِيْمَانُ وَالْحَسَدُ (2) .
18 - العين: وهي النظر باستحسانٍ مَشُوبٍ (مختلط) بحسد، من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر (3) . فإذا نظر خبيث الطبع المتشهّي لزوال النعمة عن غيره، الكاره لتوجهها إليه، إذا نظر إلى مُنْعَمٍ عليه، خرج من نفسه سهام، تصيب المعيون تارة، وتخطئة تارة، فإن صادفت تلك السهام نفس المعيون مكشوفة، غير متحصنة، ولا وقاية عليها بذكر الله والتبريك، أثرت فيه تلك النظرة ولا بد، وإن صادفته شاكي السلاح متخذاً وقاية، لم تنفذ فيه، ولم تؤثر، وربما رُدت السهام على صاحبها (4) .
[ص 49] قال الله تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *} [القلم: 51] .
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: (قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: (ليزلقونك: ليَنْفُذونك بأبصارهم. أي ليَعِينُونك بأبصارهم، بمعنى يحسدونك، لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتَها وتأثيرَها حق، وذلك بأمر الله الكوني القدري. كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة) . اهـ (1) . ثم ساق رحمه الله نحواً من عشرين رواية في ذلك، منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا (2) .
وهاك - أخي القارئ - بيان العلاقة بين الحسد والعين (3) :
1 - الحسد، أعم من العين: لذا، فقد جاءت الاستعاذة في سورة الفلق، بما هو أعم، وهو الحسد، واستُغنِي عن ذكر العين لتضمن الحسد لها، قال تعالى: [الفَلَق: 5] {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} ، فالعين إذاً نوع من أنواع الحسد، فكل عائن حاسد إن كان خبيث الطبع قاصداً الإضرار، وإلا فهو عائن فقط، لكنْ ليس كل حاسد عائناً، فقد يحسد المرءُ لكرهه حصول نعمة ما على غيره، دون أن يوقع نظره عليه، [ص 50] والحاصل أن الحسد يقع بالكلام ويقوم بالنفس ويحصل بالنظر، ولا تقع العين بالنفس، ولا يتصل شرها إلا بالنظر إلى المعيون، أو بالكلام بعد النظر إليه، واستحسان ما عنده.
2 - العين تقع بمجرد النظر باستحسان، وقد يقع ذلك من الصالح وغيره. أما الحسد فلا يقع إلا من ضعيف الإيمان غافلٍ عن ذِكْر ربِّه.
3 - العين قد تقع من صاحب النعمة، ومن غيره، أما الحسد فلا يقع إلا من الغير.
4 - العين والحسد يشتركان في أمور ثلاثة: في السبب، وهو التشهي للنعمة، وفي وجوب الرقية منهما عند حصولهما، وفي الأثر فإن كلاهما مهلك موقع للضرر.