مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 105] الفصل الثاني
حصن المؤمن
[ص 107] الفصل الثاني
حصن المؤمن
قد يسأل المؤمن عند تلاوته لسورة الناس عن علة وصف شيطان الإنس أو شيطان الجن بالوسواس الخناس، ولم خُصَّت الوسوسة من بين سائر أعمال الشياطين المُضِلّة؟ لكن، بتأمل دقيق لأقوال المفسرين رحمهم الله يتبين أن الخطر الأعظم على الإنسان يكمن في إغواء الشيطان له، وذلك من مبدأ خلقه إلى لفظه آخر أنفاسه، ويتبين له كذلك مستقر هذا الإغواء ومحلُّه الذي يَعْرُج إليه، والهدف الذي تنصبّ إليه سهام الوسوسة من كل جانب، ألا وهو القلب، تلك المضغة التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (1) ، فمنزلة القلب للمؤمن منزلةُ الحصن للهارب، يأوي إليه عند الملمات والشدائد، والعدو يطلبه رابضاً من حوله، يتحين فرصة سانحة للولوج إليه من مواضع ثُلَمه (2) وضعفه، فإذا غفل حراس الحصن (3) عن الجِدِّ في الحراسة - إلا أنهم لم يغادروا مواقع رباطهم - أرسل جنده [ص 108] بالوسوسة يتحسسون غفلة تامة من الحُرَّاس، فإذا علموا ذلك منهم وَلَجُوا الحصن وبَنَوْا فيه مساكن واهية سرعان ما تتهاوى بمعاول أولئك الحراس الذين يهدمونها بشدة وبأس، فيسارع ساكنوها إلى مغادرتها والإدبار نفوراً خارج الحصن الذي عادت إليه مَنَعتُه، فإذا فتر الحراس مرة أخرى، أقبل جند العدو المتربصين وهم لا يفترون، هذا مَثَل إلقاء الوسوسة من شياطين الإنس والجن في قلب ابن آدم، إلا أن العدو قد ينوّع في وسائل غزوه، وربما أغوى الحارسَ عند باب حصن القلب، فصار لحينٍ من جنده، فزيّن الحارس لصاحبه الشر بغلبة الهوى، أو في تحسين معصية، أو بإياس من رحمة، أو بإيقان هلاك، فلا يعبأ بعدها بمقارفة ذنب، أو بمعاندة حق، أو بميل إلى باطل، بل ربما أحب شراً أو دعا إليه!!
هذا حال الإنسان مع كيد الشيطان وجنده، صراع مستمر، لا راحة لمؤمن من ذلك إلا بلقاء ربه سبحانه، وهو راضٍ عنه.
لذا، كان على المؤمن الحصيف إدراك شدة عداوة الشيطان ووضوحها، والتبصّر الدقيق بمعرفة مداخل قلبه، والاشتغال الحثيث الجادّ بما يحصِّنها، فإن معرفة القلب وحقيقة أوصافه هو أصل الدين، وأساس معرفة طريق الوصول إلى رضى الله رب العالمين، وإن من سنن الله سبحانه في خلقه أن جعل ترتيب الأسباب على المسبِّبات، ومن بديع صنعه تعالى أن جعل القلب مستعداً بأصل فطرته لقبول الخواطر واللَّمّاتِ، ولو تواردت عليه من كل حدب وصوب، ثم يمحص القلبُ ويقلّب تلك الخواطر، ثم يتقلب هو معها؛ فإما أن يُرَغِّبَ بها، أو يصدّ عنها، تبعاً لتأثره بهوى النفس أو لاطمئنانه بذِكْرِ رَبِّه سبحانه، ففي [ص 109] القلب تكمن مجامع الطبائع من محبة أو بغض، ومن شهوة غضبٍ أو خِصْلةِ حِلمٍ، ومن كِبْرٍ أو تواضع، ومن زهد أو حرص،....، فإن رجّح القلب طبع الهوى عند عَرَضِ وسواس الهوى من الشيطان تسلط الهوى على القلب فتقلَّب إليه، ولو اتبع مقتضى شهوة الغضب تسلط على القلب حتى غلب عليه، وذلك حاصل في الطبائع وأضدادها جميعاً، فالقلب بهذا الاعتبار أشرف الأعضاء، وأكثرها خطراً، وذلك لتوارد الخواطر إليه، وتمحيصها فيه، ولله در القائل:
ما سُمِّي القلبُ إلا من تَقَلُّبِه … فاحذرْ على القلب من قَلْبٍ وتحويلِ (1)
هذا، وقد خصّ الله تعالى القلب، وجعله محلاً للتعقل، ثم جعل الجوارح مسخَّرة له عاملة بأمره، قال تعالى: [الحَجّ: 46] {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *} . فمن تسارعت على قلبه الوساوس فلم يرجح عليها طبائع الخير الكامنة في نفسه، تسلطت عليه الشياطين من إنس وجن، وتلاعبت به كما يتلاعب الصبية بالكُرَةِ، وقلَّبته كيف شاءت، أما لو جاهد المرء نفسه فصرف قلبه عن شهواتها، ثم صرفه إلى الاستعاذة بالله من شر من يوسوس من الجن والإنس، ثم ذكر ربه، لصار قلبه إذ ذاك حصناً حصيناً بالمجاهدة، وسراجاً مستنيراً [ص 110] بالذكر، فيَغْلِبُ نورُ القلب عندئذٍ وساوسَ الشياطين، ولا يلتفت إلى طبائع السوء التي تؤزُّه إليها نفسه، ولِتحقق ذلك كان لا بد من معرفة أمور ثلاثة غاية المعرفة:
الأول: اليقين التام بوضوح عداوة شياطين الإنس والجن، وتضافرهم مع الأخلاق السيئة المركبة في النفس.
الثاني: معرفة حقيقة الوسوسة، وأنها خواطر تُعْرَض على القلب، فإن قبلها، تحركت الإرادة بالرغبة في الفعل، ثم صارت الرغبة عزماً، والعزم نية، ومن ثَمَّ تحركت الأعضاء - وهي جنود مجندة تخدم القلب - لعمل ما يريده، وما تقلّب إليه من خير أو سوء.
الثالث: أن مبدأ التحصين للقلب يكون ابتداءً وانتهاءً بالالتجاء إلى الله تعالى، والاستجارة بعظمته من ذلك، إذ لا طاقة للإنسان - مهما بلغ من مجاهدة - على صرف وساوس الشهوات عن نفسه، ولا وساوس الشبهات عن عقله، ولا وساوس الخواطر عن قلبه، ولا في إزالة حُجُب الظلمات التي عَلَت روحه بما كسبت يداه، وفي رد سهام الشر من سحر أو حسد أو تعمُّدِ ضرٍّ، - وقد صار هدفاً لذلك كله من شرار الخلق - إلا بالعياذ بكَنَف الله تعالى وحِصْنه الحصين.
أخي القارئ، إن تم إدراكك لخطورة ما سبق، وسألت بعدها ما سبيل توقي ذلك كلِّه، وكيف أدفع عن نفسي هذا الخطر المحدق؟ أتاك غيث الشريعة الغراء منسكباً بتحصيناتٍ لا قِبَل لعدوك بها، فخذها بقوة، وعَضَّ عليها بالنواجذ، فأنت بحاجة ماسة إليها تفوق مراتٍ ومرات حاجتك لتمام الصحة الجسدية، ولزينة الدنيا من مال وذرية، وإن التسهّل في الأخذ بهذه التحصينات قد يؤدي إلى هلاك مروّع، هو أشد هولاً من هلاك الجسد بأمراض عضوية، فإن الآفات المهلكات التي تتحصن منها، يتيه فيها القلب، وتتحير بشأنها الروح، ويهلك بها الجسد، كما تموت بها النفس، نعوذ بالله تعالى من ذلك.
أخي القارئ، - وقد عرفت جَلَل ذلك الخطب -، فلنشرع ببيان تحصينات واقية من ذلك، وهي بمجموعها مستوحاة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اُللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَْقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ. [وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً] » (1) .
هذا، وإن التحصينات بحفظ حدود الله تعالى أربعة:
[ص 112] فالأول: احفظ الله بتحقيق الإخلاص في توحيده سبحانه.
والثاني: احفظ الله في تعظيمه بالإكثار من ذكره.
والثالث: احفظ الله في التزام تقوى الله تعالى، وبتسخير جوارحك في الاجتهاد بالعمل بمراضيه سبحانه، واجتناب نواهيه.
الرابع: احفظ الله بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بالتزام أفعال مخصوصة أرشدت إليها السنة النبوية الكريمة.
أما الأول من التحصينات، فهو في تحقيق الإخلاص في توحيده سبحانه:
ويكون ذلك باليقين الجازم بعظمة الله عز وجل وقَدْره حقَّ قدره، وإفراده سبحانه بالعبادة، والاعتقاد بأنْ لا استحقاق في شيء منها لأحد غيره، وذلك بتوحيد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وهذا - لو تحقق في قلب عبد - لأغناه عن الاسترقاء، فضلاً عن تحصينه من الشرور والآفات. ذلك أن هذا التوحيد هو مبنى التوكل على الله، وهو درع حصين وسلاح مكين لا يمكن لمخلوق أن يتسلل إليه، أو يقارب حِماه، إذ إن صاحبه لا يستعيذ إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يطلب نفعاً إلا من الله، ولا يستدفع ضراً إلا بالله، ولا يتقرب إلا لله، فلو عزمت - أخي القارئ - في [ص 113] جلسة تفكّر على استحضار حقيقة هذا الإخلاص في قلبك، ثم عزمت بحول الله وقوته على متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، لاستقر - بإذن الله - معنى الإخلاص في قلبك، إذ لا خلاص بغير الإخلاص، وبقدر استحضارك ذلك وعزمك على المتابعة، وترك الابتداع يزداد إيمانك، فيكون القلب إذ ذاك قلعة مَصُوناً، تضعف أمامها حملات الإغارة الشيطانية، فيكون كيده كأضعف ما يكون، بل قد يفر منك فراراً، ويحذِّر الخلق من الاقتراب منك كي لا تفسد عليه مداخله عليهم!!
إن النظر في آيات الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يرشد إلى حقيقة أن الإخلاص هو حقيقة الإيمان، ومبنى رفعته، وهو صفة المصطفَيْن الأخيار من عباد الله الصالحين، فتأمّل معي - أخي الحصيف - هذه النصوص المباركة:
- … قال تعالى: [الزُّمَر: 2-3] {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ *} .
- … وقال سبحانه: [الزُّمَر: 14] {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي *} .
- وقال جل ذكره: [غَافر: 14] {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *} .
- … وقال تبارك اسمه: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ *} .
- … وقال عز وجل: [الحِجر: 39-42] {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ [ص 114] مُسْتَقِيمٌ *إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *} .
فانظر - رعاك الله - إلى عجز إبليس وجنده، وضعفهم عن مجرد إغواء من اتصف بالإخلاص، فكيف بضرّهم أو الاستحواذ عليهم؟! بل إن الشياطين تجتنب الطريق التي يمر بها العبد المخلص، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجَّاَ إِلَاّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ (1) وكما بشّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَ بقوله: إَنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ (2) .
والإخلاص - كما ذكرنا آنفًا - هو مبنى التوكل وحقيقته، فلا يضر المتوكلَ شيء، ولا حاجة له لرقية مِنْ ضُرٍّ أصابه، بل إنه - بما استجمع من إخلاص في توحيد الله - يأتيه الشفاء بلا دواء ولا اكتواء ولا استرقاء، وهذا حال بعض عباد الله الصالحين المتوكلين، لكن ذلك لا ينافي وجوبَ التداوي وجواز الاسترقاء، فليس جميع الأمة قد تبوَّؤوا تلك المنزلة السامقة والدرجة الرفيعة في الإخلاص، فعلى قدر ما يبلغ بك الحال في إخلاص التوحيد، تبلغ بذلك تحصين قلبك، والدرءَ عن نفسك، فاجتهد - رحمك الله - في تحقيق ذلك. هذا، ولم يستكمل من هذه الأمة إخلاصهم لله إلا ثلة مباركة، وقد بُشّروا بشفاء من غير [ص 115] دواء ومعافاة من غير اكتواء، وبإذهاب ضر مسهم من غير استرقاء، كما في قول نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ» قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (1) .
اللهم إنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم اجعلنا من عبادك المخلَصين، المتوكلين عليك حق التوكل، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، سِلْماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، واحفظنا بحفظك من كيد الشياطين، وممن اتبعهم من الغاوين، آمين.