مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 217] الباب الثاني
في بيان نبذة من الهَدْي النبوي الشريف في مسائل التداوي
وفيه أربعة مباحث:
* أولاً: الشفاء بإذن الله تعالى.
* ثانياً: الشفاء عامة جُعل في ثلاث.
* ثالثًا: الوقاية مقدَّمة على العلاج.
وفيه ثلاثة مطالب:
(أ) في مشروعية التداوي بالحِمْيَة.
(ب) ضرورة التوقي من الأمراض بلزوم التنظف.
(ج) لزوم توقي مواضع الوباء.
* رابعًا: ذكر بعضِ ما صح من صنوف ما يُتداوى به، في السُّنَّة النبوية.
أولاً: الشفاء بإذن الله تعالى:
إن المسلم بعد أن يسلّم بأن خيرة الله له فيما ابتدأه، فَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ (1) ، وبأن سنة الله تعالى في خلقه هي تشديد الابتلاء على الأمثل منهم فالأمثل، رفعًا لدرجاتهم، وتكفيرًا عن سيئاتهم، أقول: إذا اطمأنت [ص 218] نفس المؤمن بذلك، جاءت الشريعة تزيده راحة وسكونًا في مشروعية التداوي، وأن الداء لا يُعجِز الدواءَ، لكنِ التعويلُ في ذلك على أن الشفاء بإذن الله تعالى، فهو سبحانه الذي يسبِّب الشفاء بالدواء، قال تعالى: [الشُّعَرَاء: 80] {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بَإِذْنِ اللهِ عز وجل (1) .
ثانيًا: الشفاء عامة في ثلاث:
وهي تعتبر أصول الاستطباب الدوائي للأمراض المادية، وهي: الاحتجام (2) ، وشرب العسل، وكيّ موضع الألم بلذعة نار. وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم العمدَ إلى الكيّ بالنار، واستحب الحجامة وشرب العسل.
[ص 219] قال عليه الصلاة والسلام: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ، ثم أرشد صلى الله عليه وسلم إلى كراهية الكيّ ابتداءً، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ (1) ، وبقوله صلى الله عليه وسلم: وَأَنَا أَكْرَهُ الْكَيَّ وَلَا أُحِبُّهُ (2) . وكذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ (3) .
وقد (انتظم هذا الحديث الشريف على جملة ما يتداوى به الناس، وذلك أن الحِجْم يستفرغ الدم، وهو أعظم الأخلاط والحجم أنجحها شفاء عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مسهل للأخلاط البلغمية، ويدخل في المعجونات ليحفظ على تلك الأدوية قواها ويخرجها من البدن، وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي، الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول: (آخر الدواء الكيّ) ، وقد كوى النبي صلى الله عليه وسلم سعدَ بن معاذ وأبيّ بن كعب، رضي الله عنهما، يوم الأحزاب (4) ، واكتوى غيرُ واحد من الصحابة رضي الله عنهم اهـ (5) . هذا، (وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرِد الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد يكون في [ص 220] غيرها، وإنما نبَّه بها على أصول العلاج … ثم إن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لجواز التداوي بالكيّ، ثم إعلامه بكراهته، فهو من جنس تركه صلى الله عليه وسلم أكل الضبِّ مع تقريره أكله على مائدته واعتذاره بأنه يعافه) . اهـ (1) .
ثالثًا: الوقاية مقدَّمة على العلاج:
أ- التداوي بالحِمْية:
إن الأمراض المادية إنما تكون - غالبًا - عن زيادة مادة أفرطت في البدن، وهي الأمراض الأكثرية، وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية قليلة النفع، بطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة، فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية، واعتاد ذلك، أورثته أمراضًا متنوعة، منها بطيء الزوال (مرض مزمن) ، وسريعه: (مرض عارض) ؛ فإذا توسَّطَ في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلاً في كميته وكيفيته، كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير … كما أن امتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن) (2) .
قال الله تعالى: { … وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *} [الأعرَاف: 31] . قال الإمام ابن كثير رحمه الله في موضع تفسيره للآية الكريمة: (قال بعض السلف: جمع الله تعالى الطبَّ كلَّه في نصف آية) (3) . اهـ. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان ذلك: (أرشد الله [ص 221] تعالى عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب، عِوَض ما تحلل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن، في الكمية والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافاً، وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض، أعني: عدم الأكل والشرب، أو الإسراف فيه، فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين] (1) . اهـ.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ؛ فَثَلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرَابٍ، وثُلُثٌ لِنَفْسٍ (2) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: إِذَا أَحَبَّ اللهُ تَعَالَى عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا، كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ (3) .
ب- التوقي من الأمراض بلزوم التنظف الدائم:
وهو من أَوْلى ما تحرص عليه المشافي في عصرنا هذا، ومن ذلك: لزوم غسل اليدين جيدًا بعد الطعام، وبخاصة قبيل النوم، وقد بينت السنة المطهرة علة ذلك، وهي: إزالة أثر الطعام من دسم ونحوه، مما قد يستهوي الشياطين فيحققون مشاركة الإنسي [ص 222] بطعامه فيمسوه بسوء عند نومه، ولا يخفى أيضاً ما لأثر الدسم والزهومة من تكاثر أنواع البكتيريا والجراثيم في وسط متخمّر يعد وسطاً محبَّبًا لتكاثرها، ومن ثَمَّ انتقالها إلى سائر الجلد، أو إلى الجوف، وتسبُّبها بأنواع الأمراض المختلفة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ (1) وَلَمْ يَغْسِلْهُ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَاّ نَفْسَهُ (2) .
جـ- لزوم توقي المواضع التي نزل بها وباء:
وهو ما يسمى اليوم بـ الحَجْر الصحي، حيث يُعْمد إلى عزل المنطقة الموبوءة عن سائر البلاد، فلا يُسمح بدخول صحيح إليها، ولا بخروج موبوء منها. وقد أرشدت السنة الكريمة إلى تجنب قدوم بلد نزل به وباء الطاعون (3) ، كما منعت الفرار من أرض نزل [ص 223] بها هذا الوباء، فقال عليه الصلاة والسلام: الطَّاعُونُ رِجْسٌ، أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ (1) .
فائدة (2) :
(لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة - في نهيه عن الدخولِ إلى الأرض الموبوءة، ونهيه عن الخروج منها - كمالَ التحرُّز من الطاعون، فمنع دخول غير الموبوئين أرض الوباء، منعًا لإعانة الإنسان على نفسه بموافاة الطاعون في محل سلطانه، وإعانة للإنسان على نفسه، ومَنَع المتعرضين للوباء من الخروج، لحملهم على الثقة بقدر الله والصبر على قضائه، وطلبًا لثوابه في تحمّل ذلك ونيل شهادة الدنيا بالموت بسببه، لقوله صلى الله عليه وسلم: الطَّاعُونُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ (3) ، ففي الأول تأديب وتعليم، وفي الثاني تفويض وتسليم، كما أن في الأخير حكمة طبية بالغة، حيث إنه لا يمكن الخروج من أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة شديدة، وهي مضرة جدًا، وهذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين، فظهر بذلك المعنى الطبي من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما) .
[ص 224] (مسألة) :
ثبت في «الصحيح» قول النبي صلى الله عليه وسلم: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ (1) ، وَلَا هَامَةَ (2) وَلَا صَفَرَ (3) ، [وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ (4) كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَْسَدِ] (5) . فكيف يُجمع بين نفي العدوى المقرر فيما صح من الحديث، وإثباتها أيضًا في الأمر بالفرار من المجذوم، وكذلك في النهي عن ورود المُمْرِض على صحيح البدن، في قوله صلى الله عليه وسلم لَا تُورِدُوا الْمُمْرِضَ عَلَى المُصِحِّ (6) ؟
الجواب: أن العدوى الواقعة هي في أجناس محددة من الأمراض، ضربت السنة مثالين لها، هما: الجُذام والطاعون، وأن مخالطة
[ص 225] المُمْرض بهاتين العلتين قد يُسقِم الصحيح، والعدوى بهذين المرضين لا تنتقل إلا بقدر الله وقضائه، لكن ينبغي ألا يعرِّض الصحيحُ نفسَه لها. وأما العدوى المنفية فهي العدوى المُعتقَد بها في الجاهلية، ومن ذلك قول الرجل: أعدتني المرأة - إذا عُرِفَتْ بشؤمها - أو الدار، أو الفرس (1) وهذا، وإن كان منفيًا منهيًا عن اعتقاده؛ فهو محمول على واقع حال كل من هذه الأمور الثلاثة، فسوء الدار: ضيق مساحتها، وخبث جيرانها، كما أن سوء الدابة منعها ظهرها وسوء طبعها، وسوء المرأة عقم رَحمِها وسوء خُلُقِها (2) ، لا لمجرد شعور نفسي يعتري الزوج أو صاحب الدار أو الفرس. ومن العدوى المنفية أيضًا: الاعتقاد بأن المرض معدٍ بنفسه بمجرد المخالطة بالمريض، ونحو ذلك، تلك هي العدوى التي نفاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لَا عَدْوَى وبخاصة أنه صلى الله عليه وسلم قد قرن النهي عنها بالنهي عن أمور من معتقد أهل الجاهلية، وهي: الطيرة، والهامة، وصفر، والغُول (3) ، والنَّوْء (4) . هذا، والله أعلم.
[ص 226] رابعًا: ذكر بعض ما صحَّ - في السُّنة النبوية - من صنوف ما يتداوى به.
إن الطب النبوي ليس مقصوداً لذاته في الرسالة الإسلامية، إنما أرشد إليه نبينا صلى الله عليه وسلم للدلالة على أن كل داء أمكن دفعه بصنوف الأغذية المفردة البسيطة، لم يُلجأ إلى دفعه بالأدوية المركبة، ولتعليق قلب المريض والطبيب (1) بخالق الداء والدواء، ليكون التداوي بالغذاء البسيط وبالدواء المركب أقرب إلى النفع، حيث إن قوة النفس، وتوجهها بالفأل بالشفاء بإذن الله، عامل هام للغاية ومعتبر طبًّا، ومساعد على دفع الداء وقهره.
هذا، وقد دلت السنة الكريمة على صنوف شتى مما يُتداوى به، وبين يديك - أخي القارئ - أمهات ذلك مما صحَّ في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن رُمْت جميعَها مفصَّلة فدونك المطوّلات من المصنفات في ذلك: (2) .
[ص 227] 1- العسل: قال الله تعالى: [النّحل: 69] {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
[قال بعض من تكلّم في الطب النبوي: لو قال: فيه الشفاء للناس لكان دواءً لكل داء، ولكن قال: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} ، أي: يصلح لكل أحد من أدواءٍ باردة، فإنه حارٌ، والشي يُداوى بضدِّه] (1) .
أما السنة الكريمة، فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة في الشراب، تفضيله عليه الصلاة والسلام لشرب الماء البارد المحلّى بالعسل (2) ، كما صح أنه صلى الله عليه وسلم قد أَحبّ أن يشرب من ماءٍ بات في شَنَّةٍ (3) .
وهذا أنفع ما قد يُشرب، [وفيه من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شربه ولعقه على الريق: يذيب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلي والمثانة] (4) .
وقد أتى رجلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي بطنَه، فقال: اسْقِهِ
[ص 228] عَسَلاً، ثم أتى الثانية، فقال: اسْقِهِ عَسَلاً، ثم أتاه الثالثة، فقال: اسْقِهِ عَسَلاً. ثم أتاه فقال: قد فعلتُ؟! فقال صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلاً، فسقاه فبرأ (1) .
[قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلاً - وهو حارٌ - تحللت، فأسرعت في الاندفاع، فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره، وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرّة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مِزاجُه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربِّه أفضل الصلاة والسلام] (2) .
[والغريب حقًا أن الأطباء في الأزمنة الغابرة كانوا يَرَوْن أن العسل يسبّب تليين البطن، ولذا فإنه لا يصلح لمعالجة الإسهال، وقد استنكر ابن خلدون في مقدمته مداواة المبطون بالعسل، واعتبر أن حدوث الشفاء هو من التأثير النفسي لإيمان الصحابي رضي الله عنه، وليس راجعًا لخصائص العسل. إلا أن الطب الحديث قد أثبت فائدة العسل في معالجة التهاب المعدة والأمعاء (النزلات المعوية) ، عند الأطفال، وقد تبين من خلال دراسة نشرتها المجلة الطبية البريطانية عام 1985م، فائدة العسل في علاج الإسهال الناتج عن غزو بكتيري، وكانت النتائج جيدة في هذا الصدد، وقد سبق ذلك دراسةٌ نُشرت في أعمال مؤتمر الطب الإسلامي عام 1982م، حول معالجة الإسهال المزمن بالعسل، وقد [ص 229] أكدت الدراسة فائدة العسل في علاج المبطون] (1) .
هذا؛ وليس العسل مداويًا لما ذكر وحسب، لكن ثبتت أيضًا فعاليته في معالجة صنوف عديدة من الأمراض، منها: الزكام والوقاية منه، ومعالجة أمراض الجهاز التنفسي، والتهاب الأنف التحسُّسي، وقد صُنِّف في تفصيل الاستدواء بالعسل مصنفات كثر، من كتب وأبحاث ومقالات (2) .
وبالجملة، فإن العسل - كما قال ابن القيم رحمه الله: غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطِلاء مع الأطلية، ومفرِّح مع المفرِّحات، فما خُلِق لنا شيءٌ في معناه أفضل منه، ولا مثلَه، ولا قريبًا منه (3) .
ومن لطائف المعنى في قوله تعالى: [النّحل: 68] {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *} ، أن الملحوظ في شأن النحل ميلها عمومًا إلى وضع بيوتها فيما ارتفع وعلا من الأماكن، فقمم الجبال وأعالي الشجر وأسقف البيوت وما يعرَّش فيها من الكروم وغيرها، تعتبر لديها المواضع الأمثل لتجميع العسل، [حيث تتخذ بيوتًا تبني فيها الشمع بأجنحتها بصورة خلايا محكمة مقسمة سداسيًا غاية في الإتقان، ثم تقيء العسل في هذه الخلايا، ثم تصبح إلى مراعيها تستجود منها الأحسن والأنفع، مبتعدةً في هذا الجو العظيم والبراري [ص 230] الشاسعة، والأودية السحيقة، والجبال الشاهقة، ثم تعود منها إلى موضعها وبيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة] (1) . فسبحان من أوحى إليها اتخاذ البيوت، وسخر لها سلوك السبل، وألهمها استجواد الأغذية آكلة من كل الثمرات، جامعة لخلاصتها فيما رتَّبَتْه من خلايا اتخذتها في بيوتها.
وفي بيان أنواع العسل وبعض منافعه، يرشد الإمام الزهري رحمه الله فيقول: [عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصفاه وأبيضُه، وألينُه حِدَّة، وأصدقه حلاوة، وما يؤخذ من الجبال، والشجر، له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله] (2) .
2-الحبة السوداء، أو الحُبَيْبة السوداء، وهي (الشُّونِيز) - وهو لفظ فارسي (3) ، اشتهرت تسميتها به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويسميها كثير من الناس اليوم: حبة البَرَكة.
يقول رسول صلى الله عليه وسلم في شأنها: فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَاّ السَّامَ (4) ، [والسامُ: الموت، والحبة السوداء، الشُّونِيز] . اهـ (5) .
[ص 231] * مسألة: كيف يُتداوى بالحبة السوداء؟
الجواب: تستعمل مفردةً، وربما استُعمِلت مركبة (مسحوقة تنقع في زيت، أو في ماء) ، وربما أكلاً وشربًا لخلاصتها، أو سَعُوطاً (1) - قطرات تُصَبُّ في الأنف -، أو ضِمادًا، وذلك بمقادير محددة جاء تقدير كميتها، وطريق استعمالها في السنة الكريمة، ومن ذلك: أَنْ تَأْخُذَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَبَّةً فَتَصُرَّهَا فِي خِرْقَةٍ، ثُمَّ تَضَعَهَا فِي مَاءٍ لَيْلَةً، فَإِذا أَصْبَحْتَ قَطَرْتَ فِي المِنْخَرِ الأَْيْمَنِ وَاحِدَةً وَفِي الأَْيْسَرِ اثْنَتَيْنِ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَطَرْتَ فِي الْمِنْخَرِ الأَْيْمَنِ اثْنَتَيْنِ وَفِي الأَْيْسَرِ وَاحِدَةً، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَطَرْتَ فِي الأَْيْمَنِ وَاحِدَةً وَفِي الأَْيْسَرِ اثْنَتَيْنِ (2) .
هذا، وقد ذكر الأطباء كيفياتٍ لعلاج الزكام العارض، المصاحب لعطاسٍ كثير، بالحبة السوداء، أذكر منها:
- … [أن تقلى الحبة السوداء، ثم تدق ناعمًا، ثم تنقع في زيت، ثم يقطر منه في الأنف ثلاث قطرات] (3) ، [وكذلك لعلاج نزلات البرد: يضاف زيت الحبة السوداء (ملعقة كبيرة) إلى ماءٍ مغلي، ومن ثم يستنشق المريض البخار الصاعد منه، ورأسه مغطىً ببطانية أو نحو ذلك، ويستحسن تكرار ذلك صباحاً ومساءً إلى أن يتم الشفاء بإذن الله (4) . ويذكر في هذا المقام، أن لزيت الحبة السوداء [ص 232] طعم لا يستسيغه كثير من الناس، فضلاً عمّا له من تأثير مهيِّج في الأغشية المخاطية للجهاز الهضمي، وقد تمكن مؤخرًا فريق طبي (من الباحثين المصريين) ، منهم د. محمد المحفوظ، ود. محمد الدخاخني من فصل المركب الفعَّال لهذا الزيت في حالة نقية وخالية من الثأثيرات المذكورة، كما أثبت هؤلاء خلو المركب - وهو بمسمى (نِيْجِلُّلون) (1) -، من أي تأثير سام أو ضار] (2) .
مسألة:
ما المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ؟ هل هو عام لكل داء؟ أم هو عام مخصوص، يراد به خصوص نزلات البرد، والزكام، وأمراض الجهاز التنفسي الواقعة بتأثير رطوبة أو برد ونحو ذلك؟
الجواب: (3) من وجهين؛ الأول: أن الحديث عام بمنطوق الروايات جميعًا - ولا وجه للتخصيص إلا بحمله على تجربة الأطباء في الاستشفاء بالحبة السوداء، حيث اقتصرت في غالبها على معالجة الأمراض الباردة، وليس من اللائق تخصيص كلام خير الخلق صلى الله عليه وسلم بناءً على تجارب ما زالت تُجرى وتستجد، هذا وقد سبق ذكر ثبوت فائدة العلاج بالعسل في حالات الإسهال، بعد أن جزم بعض أهل الطب بعدم جدوى المعالجة رَدْهًا من الزمن.
[ص 233] والثاني: أن بعض الأطباء قد توصلوا فعلاً بأبحاثهم إلى تأثير مركب النِّيْجِلُّلون في ترخية العضلات، وفي تخفيف آلام المغص الكلوي، وتأثيره في تقوية جهاز المناعة العام، وغير ذلك، فما المانع - عند تكرار الأبحاث - من معرفة تأثيرات أخرى لهذه المادة، تعمّ أجهزة الجسم كافة؟ فصلاة ربي وسلامه على عبده ورسوله محمد، الموصوف بقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى *} [النّجْم: 3-4] .
3- ثَمَر النخيل؛ ومعلوم كونه على أربع هيئات من بعد الطَلْع والخَلَال، وهي: البَلَح، والبُسْر، والرُّطَب، والتمر.
* … أما البَلَح: وهو أول الثمر المأكول من النخيل، فلم يثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فضل أكله مع التمر، وما روي في ذلك لم يصح، ومنه: كُلُوا البَلَحَ بِالتَّمْرِ، كُلُوا الْخَلَقَ بِالْجَدِيدِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَغْضَبُ وَيَقُولُ: بَقِيَ ابْنُ آدَمَ حَتّى أَكَلَ الْخَلَقَ بِالجَدِيدِ (1) .
فائدة: مع كون هذا المروي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنْ قد نبَّه الإمام ابن القيم رحمه الله إلى الحكمة في الإرشاد إلى الجمع بين البلح والرطب، من ناحية الطب، فقال: [إن البلح بارد يابس، والتمر حار رطب، ففي كلٍّ منهما إصلاح للآخر، ولا ينبغي من جهة الطب الجمعُ بين حارَّيْن أو باردين، وفي هذا تنبيه على صحة أصل صناعة الطب، ومراعاة التدبير الذي يصلُح في دفع كيفيات الأغذية بعضها ببعض، ومراعاة [ص 234] القانون الطبي الذي يُحفظ به الصحة] . اهـ (1) .
_ذ … وأما البُسْر: فهو من ثمر النخل، ويسبقه البلح، وقد صح أن أبا الهيثم بن التَّيِّهان رضي الله عنه لما استضاف النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما، انطلق إلى نخلة فجاء بقِنْوٍ (2) فوضعه بين أيديهم، فقال عليه الصلاة والسلام: أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ؟ ، أو قال: تَخَيَّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ (3) .
قال ابن القيم رحمه الله: [البُسْر حار يابس، ويُبْسه أكثر من حَرِّه، ينشِّف الرطوبة، ويَدْبغ المعدة، ويحبس البطن، وينفع اللَّثة والفم، وأنفعه ما كان هشًّا وحلواً، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكل البُسر مع التمر، لأن كل واحد منهما حار، وإن كانت حرارة التمر أكثر] (4) . أما الرُّطَب والبُسر، فالأول رَطْبٌ، والثاني يابس ينشف رطوبة الرطب، وهذا - كما سبق - من أعظم قواعد الطب في دفع كيفيات الأغذية بعضها ببعض.
* وأما الرُّطَب: فأكرِمْ بها من فاكهة مُغْذِية، أثنى عليها الله تعالى وطَعِمَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة في إفطاره، حيث فضّلها [ص 235] صلى الله عليه وسلم على التمر والماء. قال تعالى: [مَريَم: 25-26] {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا *فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *} [قال عمرو بن ميمون رحمه الله: ما من شيء خير للنُّفَساء من التمر والرُّطَب، ثم تلا هذه الآية] (1) .
وقد رَأَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (2) .
كذلك فقد رَأَىَ عَبْدُاللهِ بْنُ جَعْفَرَ رضي الله عنه، رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ (3) .
[وفي فِطْر النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم، على الرطب، أو على التمر، أو الماء، تدبيرٌ لطيف جدًا، فإن الصوم يُخلي المعدة من الغذاء، فلا تجد الكبد فيها - في المعدة - ما تجذبه وترسله إلى القوى والأعضاء، والحلو أسرع شيء وصولاً إلى الكبد، وأحبه إليها، ولا سيما إن كان رَطْبًا، فيشتد قبولها له، فتنتفع به هي والقوى، فإن لم يكن فالتمر لحلاوته وتغذيته، فإن لم يكن فحسَواتُ الماء تطفئ لهيب المعدة، [ص 236] وحرارة الصوم، فتنتبه بعده للطعام، وتأخذه بشهوة] (1) .
أما القثاء بالرطب، ففي الجمع بينهما في الأكل من الحكمة الطبية ما فيه، حيث إن [القِثَّاء (2) : بارد رطب في الدرجة الثانية، مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة وبرده مضرٌّ ببعض المعدة، فينبغي أن يستعمل معه ما يُصلِحه ويكسر برودته ورطوبته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أكله بالرُّطب، فإذا أُكِل بتمر أو زبيب أو عسل عدَّله أيضاً] (3) .
وقد أخبرت السيدة عائشة رضي الله عنها كذلك بفائدةٍ للجمع بين القثاء والرطب، ألا وهي التسمين المعتدل لمن شكا نُحولة زائدة مستمرة (4) ، فقالت: (أرادت أمي أن تُسَمِّنِّي لدخولي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فلم أَقْبل عليها بشيء مما تريد، حتى أطعمتني القثاء بالرطب، فسمِنْت عليه كأحسن السِّمَن) (5) .
[ص 237] استدلال لطيف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم بأكل الرطب بالقثاء: [زعم قوم ممن سلك طريق التنسّك والتزهد - بغير ما شُرِع منه - أن الآكل يُكرَه في حقه الأكل تلذذاً، كما يُكرَه جمعُه بين لونين من الطعام بمرَّة واحدة، بيد أن هذا الحديث أرشد إلى خلاف ذلك، وإلى أن الأفعال التي هي ليست من جنس القُرُبات عند الله، نحو الشرب واللباس والقعود والقيام، فإن الأصل فيها الإباحة إلا ما اختُصَّ منها بالتحريم بنصٍّ عليه] (1) .
* … وأما التمر؛ فهو ما تؤول إليه ثمرة النخلة المباركة (2) في نهاية المطاف، وإن له لفوائد تكاد لا تحصى، وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ألا يخلو بيت مسلم من تمر، وبخاصة تمر المدينة واختَصَّ منه صلى الله عليه وسلم صنفًا كريمًا، هو عجوة المدينة، [وهو من أنفع تمر الحجاز على الإطلاق، ملذِّد، متين للجسم والقوة، من ألين التمر وأطيبِه وألذِّه] (3) ، وهو نافع - بإذن الله - في الوقاية من أثر السُّم والسحر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ - أو: جَاعَ أَهْلُهُ -، قَالَهَا صلى الله عليه وسلم مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا (4) وقال عليه من ربه [ص 238] أفضل الصلاة والسلام: مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرُّهُ، ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ (1) .
فائدة:
[إن نفع هذا العدد (سبعة) من هذا التمر (العجوة) من هذا البلد (المدينة) من هذه البقعة (عالية المدينة) ، بعينها من السُّم والسحر، بحيث تمنع إصابته، هو من الخواص لهذا التمر التي لو قالها بقراط وجالينوس (من أكابر أطباء اليونان) ، وغيرهما من الأطباء، لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أن القائل طبيب إنما معه الحدس والتخمين والظن، فمَنْ كلامُه يقين، وقطعٌ وبرهان، ووحيٌ صلى الله عليه وسلم أولى أن تُتلَقَّى أقوالُه بالقبول والتسليم وترك الاعتراض] (2) .
كما أن التمر عامة [يساعد على تليين الأمعاء وتنشيط حركتها لاحتواء أنواعه جميعًا على نسب متفاوته من الألياف السليولوزية كما أن التمر يحتوي على عناصر غذائية هامة مثل: السكريات والنشويات والبروتينات والأملاح والمعادن والفيتامينات والماء والسيليولوز - كما سبق - كذلك فهو مفيد في الوقاية من البواسير، وفي منع النزف بسببها، أو التقليل من حدوثه لاحتوائه على فيتامين (ج) ، والذي يعمل [ص 239] على تقوية جُدُر الأوعية الدموية] (1) .
ومن أحسن ما وُصف به التمر - إجمالاً - أنه: [فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى] (2) . هذا، وقد صُنّف في ذكر التمر ومنافعه المطوّلات من الكتب (3) ، ويحسن بالمسلم الاطلاع على بعضها، فإن رُمْت ذلك فاستعن بالله ولا تعجز، زادك الله علماً.
4- ماء زمزم (4) :
أ- نبذة في التعريف به: (5) هو الماء المبارك: خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ (6) ، أظهره الله تعالى مَعينًا لا ينفد، بأثر ضربة من جناح - أو [ص 240] عَقِب - أمين الوحي الملَك جبريل عليه السلام، تلطُّفًا من الله عز وجل وغِواثاً لطفل مبارك قد تلوّى عطشًا، فلم تعد أمه الصالحة تطيق نظرًا إليه، وهو ينشغ للموت (1) أمام ناظرَيْها، فلما أن فرغ فؤاد الأم من أي شاغل سوى سقيا ولدها الرضيع، وكاد رجاؤها أن ينقطع في ذلك الوادي بعد أن جابته سبعًا، أدركها الله تعالى بعنايته ولطفه، ففار الماء من أرضٍ يَبَسٍ جُرُزٍ (2) ، تغرف منه فلا يزداد إلا كثرة، وتُحوِّضه بيدها، وقد هالها ما تراه، ولا غَرْو في ذلك، فإن الله لا يضيع أهله، إن إبراهيم - خليل الرحمن عليه السلام قد أودع زوجه وولده حيث أمره ربه، وقد تم توكله على الله واستسلامه له، فأسكنهم بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرّم، آمرًا لهم بطاعة الله تعالى، فلما أن امتثلوا لذلك أفاض الله عليهم من بركاته، وأورثهم آية بينة ونعمة ظاهرة وخيرًا عميمًا ونفعًا عظيمًا، هوت إليهم بسببه أفئدة الناس محبة وتعظيمًا، وحذا حذوهم ضيفان الرحمن، وحجاج بيته وعمّاره إلى يوم القيامة، فهم يحاكون ما فعلوه في مناسكهم، ويستحضرون في وجدانهم خطوات أبيهم إبراهيم وطوافه وولده، وسعي أمهم، وشربها وولدها من نبع ذلك الماء الذي لا يضارعه نبع على وجه الأرض في كثرة الاستقاء منه، وهو مع ذلك كلِّه لا يزداد إلا فورانًا، ليس ذلك فحسب بل كلما شرب منه شارب حقق الله تعالى قصده وطلبه فيما نواه عند شربه، بل هو شفاء - بإذن الله - من كل داء، وغذاء مجزئ عن عموم الغذاء، وهو [ص 241] كذلك منذ قرابة خمسة آلاف سنة إلا قليلاً (1) !!.
ب- ثبوت فضل هذا الماء المبارك، ومشروعية الاستشفاء به.
* … أما فضل هذا الماء وشرفه، فقد ثبت في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم في ذلك ما لا يتسع المقام لحصره، لكن نذكر بعضه، فمن ذلك:
1- … أن قلب النبي عليه الصلاة والسلام قد غُسل بهذا الماء مرات، «فقد أتى جبريل عليه السلام رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يلعب مع الغِلمان، فأخذه فصرعه (2) ، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلَقة، فقال: هذا حَظُّ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْتٍ من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمه، ثم أعاده في مكانه (3) .... قال أنس رضي الله عنه: وكنت أرى ذلك المِخْيَطِ في صدره صلى الله عليه وسلم» (4) .
وكان أبو ذرٍ الغِفاري رضي الله عنه يحدِّث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، [ص 242] مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً وَإِيْمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا … الحديث (1) . وقد حصل هذا الشرح لصدر النبي صلى الله عليه وسلم عند موضع بئر زمزم، كما في الحديث - الصحيح -: أُتِيتُ فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ (2) .
2- … ومن فضل هذا الماء، أن ريق النبي صلى الله عليه وسلم قد خالطه فلم يزدد الماء إلا بركة على بركته (3) قال ابن عباس رضي الله عنهما: جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى زَمْزَمَ فَنَزَعْنَا لَهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ، ثُمَّ مَجَّ فِيهَا، ثم أفرغناها في زمزم، ثم قال: لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا، لنَزَعْتُ بِيَدَيَّ (4) .
[ص 243] قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *} [التّوبَة: 128] (فانظر - وفقك الله - إلى مزيد رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته، حيث أحبّ صلى الله عليه وسلم ألَاّ يُحرم مسلم إلى يوم القيامة من بركة سؤره، وبركة فضل طهوره، فديناه بآبائنا وأمهاتنا، صلاة الله وسلامه عليه أبد الآبدين، وعلى آله وصحبه وأحبابه أجمعين) (1) .
3- … ومن فضل هذا الماء المبارك كذلك، أنه خير ماء على وجه الأرض، وأن شاربه يمكنه الاستغناء به عن الطعام، بخلاف سائر المياه، وأنه يُستشفى بشربه، ويُتداوى به، كما وتُحقَّق به المطالب الطيبة، عند صلاح قصد شاربه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ (2) [وَشِفَاءُ سُقْمٍ] (3) ، [ص 244] كذلك قال عليه الصلاة والسلام: خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامُ الطُّعْمِ وَشِفَاءُ السُّقْمِ (1) وقال أبو ذرٍّ رضي الله عنه: - وقد تغذّى بشرب ماء زمزم ثلاثين، بين ليلة ويومٍ - (ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسَّرَتْ عُكَن (2) بطني، وما أجد على كبدي سَخْفة (3) جوع) (4) .
ويقول عليه الصلاة والسلام: مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ (5) ،
[ص 245] [فإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا أعاذك الله، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله] (1) .
وقد حَمَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَمْزَمَ فِي الأَْدَاوِي وَالْقِرَبِ، وَكَانَ عليه الصلاة والسلام يَصُبُّ مِنْهُ عَلَى الْمَرْضى وَيَسْقِيهِمْ (2) . كذلك فإن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحْمِلُهُ (3) .
وقد كان عليه الصلاة والسلام محبًا لهذا الماء، يرسل في طلبه من مكة المكرمة، وهو في المدينة المنورة، قبل فتح مكة، وقد كَتَبَ صلى الله عليه وسلم إِلى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، إِنْ جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا لَيْلاً فَلَا تُصْبِحَنَّ وَإِنْ جَاءَكَ نَهَارًا فَلَا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَمَلَأَ لَهُ مَزَادَتَيْنِ، [ص 246] وَبَعَثَ بِهِمَا عَلَى بَعِيرٍ (1) .
ويتبين مما سبق ذكره أن سقيا زمزم شفاء للمرضى من كل داء، بإذن الله تعالى، وبأن من شربها لأي نية أو مطلب وقد صَلَح يقينه بتحقق ذلك فإن الله عز وجل يحقق له ما نواه، كما يستفاد: (أن فضل ماء زمزم هو لعَينِه لا لأجل البقعة التي هو فيها، ولهذا، فإن الصلحاء يشربونه ويحملونه معهم في أسفارهم اتباعًا له صلى الله عليه وسلم، فإنه أول من حمل زمزم عند رجوعه من حجَّ البيت تبرُّكًا به واستشفاءً) (2) .
أخي القارئ الكريم، قد علمت أن لزمزمَ - بإذن ربها - خاصية تحقيق المطلوب لشاربها، ومن ذلك عموم الاستشفاء بها من عموم الأدواء، لكنْ هي أيضًا يُسْتشفى بها من أمراض بعينها، ومن ذلك: أنها تبرد الحمى، وأن شُرْبها أو الادهان بها يُذهب الصداع، كما أن النظر في بئرها أو مائها يجلو بصر الناظر ويقويه.
أما إبراد الحمى، فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوها بِالْمَاءِ، أَوْ قَالَ: بِمَاءِ زَمْزَمَ (3) ، ويكون ذلك الإبراد بصب [ص 247] الماء عند الجَيْبِ (1) ، أو بِرَشِّه رشًّا بين يدي المريض وثوبه (2) . وقد (كانت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، إذا أُتِيَتْ بالمرأة - قد حُمَّت - تدعو لها، أخذت الماء فصبَّتْه بينها وبين جيبها، وقالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ) (3) .
مسألة:
قد أشكل فهم هذا الحديث على بعض أهل الطب، ورأَوْه منافيًا لدواء الحمى وعلاجها، فما وجه فِقْه إبراد الحمى بالماء؟
الجواب: (إن خطابه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز، وما والاهم، إذ كان أكثر الحُمِّيات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العَرَضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شُربًا واغتسالاً) (4) . اهـ. [فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محمومٍ في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه [ص 248] يضره، فليس هو المراد، وإنما قصد صلى الله عليه وسلم استعمالَ الماء على وجه ينفع … فالمراد بالإبراد كيفية مخصوصة، بينتها السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين يديه وثوبه] (1) . اهـ.
وأما أن ماءها يُذهب بالصداع (ادِّهانًا به أو شربًا له) ، وأن النظر بها يجلو البصر ويقوّيه (2) ، فلما رُوي عن الضحاك بن مزاحم - من التابعين - قال: (بلغني أن التضلّع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها يذهب بالصداع، وأن الاطلاع فيها يجلو البصر) (3) . لكن لا يخفى على أريب مثلك أن الحجامة أيضاً لها نفع بالغ - بإذن الله - في التداوي من داء الشقيقة (4) وألم الصداع، كما صح ذلك في سُنَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (5) .
هذا، ومع كوني آثرت اختصارًا الاقتصارَ على أصول ما صح في السنة المطهرة مما يتداوى به من المأكل والمشرب، لكن لا يفوتنك - أخي القارئ - بعضُ اطلاع على صنوف شتى ثبتت مشروعية التداوي [ص 249] بها، ومن ذلك: ماء الكَمْأة (شفاء للعين) (1) والإذخر (2) ، والتَّلْبينة (3) - كعلاج نفسي - تريح فؤاد المريض وتزيل عنه الهمّ وتنشِّطه - لأنها مما اعتاده من الشراب واستساغه، مما يُسهم في شفائه بإذن الله - والزيت أكلاً وادهانًا (4) ، والخَلّ وهو نِعْمَ الإدام (5) ، والعُود الهندي - وهو الكُسْت - (6) (والعود الهندي نوعان أحدهما: يستعمل في الأدوية، وهو [ص 250] الكست، ويقال له: القُسْط أيضًا، والثاني: يستعمل في الطِّيب، ويقال له: الأَلُوَّة) (1) . والمقصود بالتداوي به هو الأول، عنيتُ الكُستَ من العود الهندي، «فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ (2) مِنَ الْعُذْرَةِ (3) ، وَيُلَدُّ (4) مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» (5) .
(الله أكبر، الله أكبر، سُنَّةُ أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (6) (اللهم إنا نحب أن نستنَّ بسنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم (7) «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا [ص 251] وَالآْخِرَةِ» (1) ، «اللَّهُمَّ عَافِنَا فِي أَبْدَانِنَا، اللَّهُمَّ عَافِنَا فِي أَسْمَاعِنَا، اللَّهُمَّ عَافِنَا فِي أَبْصَارِنَا، لَا إِلهَ إِلَاّ أَنْتَ» (2) ، (اللَّهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملاً مُتقبَّلاً، وشفاءً من كل داء) (3) ، آمين.