مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 7] الفصل الأول
بيان ألفاظ ومصطلحات مهمة
[ص 9] بيان ألفاظ ومصطلحات مهمة
تَرِد على مسامع المسلم المعاصر ألفاظٌ ومصطلحات، يألف سماعها في المجالس العامة والخاصة، وفي المحاضرات العلمية والندوات التلفازية، ويتجاذب الناس أطراف الحديث بها ويتشوّف كثير منهم - كبيرهم وصغيرهم - إلى معرفة المزيد عنها، فينبري إذ ذاك ثلة من القوم لتصدُّر الحديث بشأنها، فيتلقَّوْنه بألسنتهم، فيهرفون بما لا يعرفون، وقد صار حال الناس في ذلك بين مقلٍّ ومُكثِر؛ فهذا جاهل بحقيقتها، وذاك له أَثارة مِنْ علمٍ بها، وذلك عالم بخفاياها لكنه قد أمسك عن التحدث بشأنها، أو قلّ تعرضه لبيانها، وهي بلا ريبٍ حديث الناس على مدار الساعة، وغالبًا ما يكون للجهلة - الذين امتهنوا الشعوذة، واستساغوا التدجيل - قصب السبق في الحديث عنها، فتنجذب إليهم قلوب العامة، بل وبعض الخاصة، يُغدِقون عليهم بعض ما حازوه من فُتات الدنيا، ومع أن ضر هؤلاء الدجاجلة أقرب من نفعهم، لكنك تلقى تهافت الناس على دُورهم منقطع النظير، حتى إنك قد تجد من لم يمسه ضُرٌّ، يُقبِل عليهم طالبًا نفعاً بهم، فيهرعون إذ ذاك إلى اهتبال هذه الفرصة السانحة، فيستخِفُّونه، ويصنعون له التمائم والحُروز ويحضِّرون له - بزعمهم - الأرواح الخيِّرة لتساعده، فيكون بعدها في ضَنْك العيش؛ تتجاذبه شياطين الإنس والجن، حتى يأذن الله تعالى بفَكاكِه من ذلك.
[ص 10] لذا، وجب على المؤمن أن يكون على بينة من الأمر، فيحذر هؤلاء ويتقي شرهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة ما بيَّنَتْه الشريعة الإسلامية من حقائق هذه الأمور، والتي سأسعى - جاهداً إن شاء الله - إلى استقصائها وبيانها بعون الله تعالى، وهي مصطلحات وَفّت الثلاثين لا يَحْسُن بمسلم الجهلُ بها.
هذا، ولا تتناول هذه المباحث بيان هذه المصطلحات لغة، حيث إن المقام لا يتسع لذلك، والغرض بيان حقائقها لتبصير المسلم المعاصر بها، ولتحذيره مما قد يضره منها، وهي إجمالاً:
الجن - المس - الاستعانة - المَنْدل - الزَّار - قياس الأثر - العرافة - الكهانة - التنجيم - قراءة الزهر المرقَّم - علم الأسارير - قراءة الفنجان - الضرب بالحصى - الخط بالرمل - حساب الطالع - حساب السُّبْحة - الحسد - العين - السحر - الطِّلَّسْم - النَّفْث - النفخ - الهمز - النَّزْغ - الرَّكْضة - الرَّبْط - التِّوَلة - النُّشْرة - التميمة - التحضير.
1- الجنّ (1) :
هم خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله تعالى، خَلَقهم سبحانه لعبادته كالإنس، قال تعالى: [الذّاريَات: 56] {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ *} ، وهم يوافقون البشر بأوصاف، ويفارقونهم بأوصاف (2) .
أما موافقتهم للإنس فبأنهم:
1- مكلفون بالتكاليف الشرعية.
[ص 11] 2- يسكنون هذه الأرض.
3- يأكلون ويشربون.
4- يتناكحون ولهم ذرية.
5- يُنسَبون إلى أقوامٍ وعشائرَ وقرابات.
6- ينتسبون إلى أديان مختلفة، فمنهم المؤمنون [وهم درجات في الصلاح] ، ومنهم الكافرون.
7- … لهم أوصاف مشتقة من أحوالهم، فكما يقال للإنسي: شيطان لكثرة شقوته وإضلاله لبني جنسه، يقال للجني كذلك، وكما يقال طُفَيْلِيٌّ للإنسان إذا كَثُر اعتمادُه على غيره، يقال للجني إذا اتصف بذلك: تابع، وهكذا … ومن أوصافهم المشتهرة العِفْريت: وهو القوي الداهية، والخابل وهو الذي يتسبب بالجنون لإنسي، والغُول وهو الذي يَكْثُر تشكُّلُه بصور كثيرة، ليُفْزِع الناس، والزَّوْبعة، وهو من أكثر الجن شوكة وقوة، ومنهم الغوّاص وهو من له قدرة فائقة على الغوص لاستخراج مكنونات البحار من حُلِيٍّ وغيرها، ومن ذلك أيضًا: البنّاء، وهو: من يتصف بالمهارة النادرة في فن البناء. والله أعلم.
8- … ينتسبون إلى أوطانٍ، منها: الجزيرة (1) ، ومن مدنها:
[ص 12] نَصِيبين، وفيها جن هم نِعْمَ الْجِنُّ (1) ، وهم سادات الجن، ومن أوطانهم أيضاً نِينَوَى (2) ، وهكذا.
وأما مخالفتهم للإنس فبأمور منها:
1- … أن أصل خِلْقتهم من خالص اللهب.
2- … أنهم يتميزون بقدرات فائقة، منها: سرعة الحركة في التنقل، والقدرة الهائلة على إنجاز الأعمال الشاقة، والقدرة على التشكل بصورة ذي روح كإنسان أو حيوان، علماً أن الصورة التي يتشكّلون بها تصير حاكمة عليهم، فلو فُرِض تشكُّلُهم بصورة إنسي ثم طُعِن هذا الإنسي بخنجر مثلاً، فإن الجني يموت بسبب ذلك، بخلاف تشكُّل الملائكة عليهم السلام، فإن الصورة لا تحكم عليهم (3) ، وهم باقون على عظم خِلْقتهم وقوتهم كما قبل التشكل.
3- … أنهم ثلاثة أصناف:
- صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء.
- وصنف متشكلين بحيات وكلاب.
[ص 13] - وصنف يحلُّون ويظعنون، يصعدون وينزلون حيث يشاؤون.
4- … أنهم لا تمكن رؤيتهم على صورتهم الحقيقية.
5- … أنهم لم ينبّأ منهم أحد، ولم يكن منهم رسول، فأنبياء البشر ورسلهم عليهم السلام، هم أنبياء ورسل للجن كذلك.
6- … أن من طعامهم اللحم الذي يجدونه عند العظم، وأن علف داوبهم يجدونه عند الروث، يحل لهم ذلك كلُّه إذا ذكروا اسم الله عليه.
7- … يسكن الشياطين منهم - والعياذ بالله - في الأماكن المهجورة والحُشُوش (1) ، ويسكنون الأسواق لكثرة ما يكون فيها من التبرج، والغش، والأَيْمان الكاذبة، عياذاً بالله تعالى.
* وهاك - أخي القارئ - أدلةً على مجمل ما سبق ذكره من صفات الجن ما وافق منها صفاتِ الإنس وما خالف، مرتبةً بحسب إيرادها السابق إن شاء الله:
1- … هم مكلفون - كالبشر - مأمورون بأداء الطاعات منهيون عن مقارفة المعاصي، وأدلة ذلك عديدة، منها قوله تعالى: [الذّاريَات: 56] {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ *} ، وقوله سبحانه - حكايةً عن نفر منهم أنصتوا لتلاوة مباركة من النبي صلى الله عليه وسلم: [الأحقاف: 31] {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *} ، قال الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره للآية [ص 14] الكريمة: (في هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكمُ الإنس في الثواب والعقاب والتعبُّد بالأوامر والنواهي) . اهـ (1) .
مسألة:
هل أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم أم لا؟
ولا يَرِد على ما سبق الاحتجاجُ بمعنى قوله تعالى: [الأنعَام: 130] {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} . فإن ظاهر معنى الآية أفاد أن لهم رسلاً من جنسهم، كما أن للإنس رسلاً من جنسهم. لكن الراجح في ذلك عند أهل العلم أنه لم ينبأ منهم أحد ولم يكن منهم رسول، وقد استدلوا على ذلك بأدلة عديدة، منها:
قول الله تعالى: [يُوسُف: 109] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى … } .
وقوله تعالى: [الفُرقان: 20] {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} ، وقوله عز وجل: [العَنكبوت: 27] {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} . وفيه تصريح بأن كل نبي بعثه الله بعد إبراهيم عليه السلام فهو من ذريته.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ (2) .
[ص 15] ومعلوم - ولا ريب - أن الجن هم من بعض الخَلْق المكلّفين، فيدخلون في عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، وقد أفاد الحديث أيضًا أنه ليس لأحد من إنس أو جن أو غيرهم ادعاء نبوة - أو رسالة من باب أولى - بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وهاك ثلاثة وجوه يرجح بها قول القائلين باختصاص الرسالة ببني آدم دون الجن:
الأول: … كثرة الأدلة - وقد أوردت بعضها - ومن صريح ما استدلوا به قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى … } [يُوسُف: 109] ، قال القرطبي رحمه الله: أي أرسلنا رجالاً ليس فيهم امرأة ولا جني ولا مَلَك (1) . اهـ.
الثاني: … أن المراد بقوله تعالى -، أي: من أحدكم (2) وقد بينه الإمام الشوكاني رحمه الله بقوله: هو من مجموع الجنسين، وصَدَقَ على أحدهما، وهم الإنس، كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ *} [الرحمن: 22] ، والمراد: من أحدهما. اهـ (3) .
الثالث: … تضمُّن القرآن الكريم خطاباً للجن وتحدياً لهم وإعلاماً بمآلهم في الآخرة، وتوعُّداً لهم، فأما إفرادهم بالخطاب ففي قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِْنْسِ} [الأنعام: 128] ، وأما اقتران الخطاب بالإنس ففي قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِْنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ [ص 16] تَنْفُذُوا} [الرحمن: 33] ، وهو من التحدي لهم، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا *} [الإسراء: 88] . ومن الإعلام بمصيرهم في الآخرة قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ *وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ *} [الأحقاف: 18-19] ، ومن توعّده لهم قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ *} [الرحمن: 31] . وقوله: {وَمِنَ … } [سبأ: 12] .
وخلاصة ما ذُكر آنفًا - في تقرير أن الجن مخاطبون بالتكليف من قِبَل رسل الإنس - هو ما ذكره الإمام القرطبي رحمه الله بقوله: (إن سورة الرحمن والأحقاف وقل أوحي - أي سورة الجن -، دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيون، معاقبون كالإنس سواء بسواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك)) . اهـ (1) .
ووجه الاستدلال في ذلك: أن خطاب القرآن المتوجه إلى الجن دال على أن من أنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم هو مرسل إلى الجن كما إلى الإنس، وإلا فكيف يفردون بالخطاب ثم يتوعدون بالعذاب، ويتم تحديهم بكتابٍ، هو في الأصل منزل على رسول خاص بالإنس، فلو حصل ذلك لكان لهم عندها أن يحتجوا بقولهم: لا شأن لنا بذلك كله، [ص 17] فالقرآن إنما أنزل على رسول خاص بالإنس، ولمّا لم يفعلوا، دل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل لعموم الإنس والجن، والله أعلم.
2- … أما سكناهم لهذه الأرض فدليله قوله تعالى: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ *} [الرحمن: 10] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأنام: الناس، وقال الحسن البصري رحمه الله: الأنامُ الجنُّ والإنس (1) .
- … وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا … (2) .
3- … وأما كونهم يأكلون ويشربون. فدليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ (3) .
4- … ودليل كونهم يتناكحون ويتناسلون ولهم ذرية قولُ الله تعالى - محذِّراً من اتباع إبليس وذريته عياذاً بالله منهم -: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50] . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، يقول: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (4) . (والخُبُث جمع خبيث، [ص 18] والخبائث جمع خبيثة، يريد: ذُكْرانَ الشياطين وإناثهم) (1) . ومعلوم أن وجود الذكران والإناث مقتضٍ لحصول الجماع والتوالد، والله أعلم.
5- وأما انتسابهم إلى أقوام وعشائر، فلقول الله تعالى - حكاية عن نفرٍ من الجن استمعوا القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31] .
ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه: «إِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ (2) - وَنِعْمَ الْجِنُّ - فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَاّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَاماً» (3) .
6- … وأما انتسابهم إلى أديان مختلفة، وكونهم طرائق عديدة من حيث الصلاح والفساد، فلقول الله تعالى - حكاية عن بعض الجن (4) -: [الجنّ: 11] {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا *} .
قال الإمام القرطبي رحمه الله: (المعنى: لم يكن كل الجن كفاراً، بل كانوا مختلفين، منهم كفار، ومنهم مؤمنون صُلَحاء، ومنهم مؤمنون غير صُلحاء) (5) .
7- … وأما أوصافهم التي اشتهروا بها فصارت كالأصناف لهم: فمنهم: الشياطين، ومنهم المردة - والعياذ بالله - قال تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا [ص 19] السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *} [الصافات: 6-7] . والشيطان المارد، هو: (الخبيث المتمرد العاتي، إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه) (1) .
ومن أصناف الشياطين أيضاً البناؤون والغوّاصون قال تعالى: {وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ *} [ص: 37] . وقد سخّرهم الله تعالى لعبده ونبيّه سليمان عليه السلام وسلّطه عليهم فهم يأتمرون بأمره {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] ، [والمحراب مقدّم المجلس أو المصلّى أو البنيان، والتمثال صورة من نحاس أو زجاج، والجفان ج/جفنة وهي قدر متسع للطعام، بلغت من سعتها أن تكون كالجابية، أي: الحوض الذي يُجبى فيه الماء أي يجمع به، وقدور أخرى ثابتة لا تتحول من موضعها لِعِظَم حجمها] (2) .
ومن أصنافهم: العفاريت، قال تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ *} [النمل: 39] ، والعِفْريت هو: (النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء) (3) .
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْه فَذَعَتُّهُ … الحديث (4) .
[ص 20] ومنها أيضاً النَّخَسَة الخُبَّل، وهم الذين ينخسون المولود عند ولادته، وقد يتخبط الإنسانَ هذا النوعُ إذا ضلّ عن سبيل الله تعالى، فيُصيِّره لا يعي ما يقوله، وهو المسمى بالمس أو الصرع، والصحيح ثبوت حصوله، كما سيأتي بيانُه تفصيلاً إن شاء الله.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] .
وقال صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاّ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلاّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ (1) .
ومن أصنافهم كذلك الغِيلان، ومفرده غُول، وهو الجني يتصور بصور عدة، ويتبدل باستمرار.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: … فَإِذَا تَغَوّلَتْ بِكُمُ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالأَْذَانِ … (2) .
وكذا منهم الزَّوْبَعة، وهم - كما سبق - من أقوى الجن شوكة. قال تعالى: [الأحقاف: 29] {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ *} ، (وفي سبب نزولها، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن [ص 21] نَخْلَةَ، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا - قال: صَهْ -، وكانوا تسعةً أحدُهم زَوْبَعَةُ، فأنزل الله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ..} - الآية) (1) . [وقد آذنَتْه بهم - أي أعلمَتْه صلى الله عليه وسلم باستماعهم ووجودهم شجرةٌ] (2) .
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: هم من بني الشيِّصيان، وهم أكثر الجن عدداً وأقواهم شوكة وأشرفهم نسباً (3) . وقد تعددت الروايات في تحديد نسبة هؤلاء النفر وعددهم، فقيل هم تسعة من الشيِّصيان كما تقدم، أو سبعة من نِصِّيبين، أو من جن نينوى، أو من أهل حرّان، وأن الاستماع كان في صلاة الفجر أو في صلاة العِشاء الآخرة. وأياً كان الحال، فالعبرة في إذعانهم - مع عِظَم شوكتهم - لمواعظ القرآن، وقبولهم بأن يكونوا رسلَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى قومهم، يدعونهم لإجابة داعي الله والإيمان به عليه الصلاة والسلام، بل إنهم قد دَعَوا بعض الإنس أيضاً للإسلام كما في حديث إسلام سواد بن قارب رضي الله عنه الطويل، وفيه أن داعي الجن أتاه ثلاث ليالٍ متواليات يدعوه في كل ليلة بقوله:
فانهضْ إلى الصَّفوة من بني هاشمٍ … ما مؤمنو الجن ككفارها
فأنشد سواد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم شعراً، ومنه:
وأنك أدنى المرسلين شفاعةً … إلى الله يا ابنَ الأكرمينَ الأطايبِ
[ص 22] فمُرْنا بما يأتيك يا خيرَ مُرْسَلٍ … وإن كان فيما جاء شَيْبُ الذوائبِ
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعةٍ … سواك بمُغْنٍ عن سوادِ بن قاربِ
قال سواد رضي الله عنه: فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ: أَفْلَحْتَ يَا سَوَادُ (1) .
8- … وأما انتسابهم إلى أوطانٍ ومواضعَ من الأرض، فمن أدلته:
- … قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه: «إِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ، وَنِعْمَ الْجِنُّ … » (2) الحديث.
- … وعند الإمام الشعبي رحمه الله: (إن الوفد الذي جاء ليلة استماع الجن القرآنَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا من جنّ الجزيرة) (3) .
[ص 23] - … وذكر الإمام القرطبي رحمه الله أن الوفد كانوا من جن حرّان، ومن نصيبين، والذين أتَوْا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنَخَلَةَ كانوا من جن نِينَوَى)) (1) .
* وأما أدلة مخالفتهم للإنس:
- … ومن ذلك أن أصل خِلْقتهم من خالص حَرِّ النار، ولَهَبِها، فلقول الله تعالى: {وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ *} [سورة الرحمن: 15] ، ولقوله تعالى: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ *} [الحِجْر: 27] . ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَّانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ (2) .
والمارج والسموم وَصْفان للنار، يعني الأولُ: لهب النار ولسانه، والثاني: خالص حرّ النار الذي ينفذ في المسام لشدته (3) .
- … ومن ذلك تميزهم عن الإنس بقدرات متفوقة منها: سرعة الحركة، فلقوله تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ *} [النمل: 39] . فقد تكفّل ذلك العِفْريت من الجن بإحضار عرش ملكة سبأ بلقيس، لسليمان عليه السلام، وذلك قبل قيامه عليه السلام من مجلسه.
[ص 24] ومن قدراتهم المتفوقة - ولا ريب - قدرتهم على لمس السماء، قال تعالى حكاية عن مَرَدة الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا *} [الجن: 8] .
- … ومن أدلة مخالفتهم الإنس في قدرتهم على التشكل بصورة ذي روح، فلقول الله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ *} [الأنفال: 48] . وقد كان ذلك في مجيء إبليس - نعوذ بالله من الشيطان الرجيم - في صورة رجل من بني مُدْلج، وهو على هيئة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما رأى جبريلَ عليه السلام أقبل مع جند من الملائكة نزع يده من يد رجل من المشركين، فقال الرجل: تزعم أنك جار لنا؟! فقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (1) .
وأما دليل تشكُّلهم من السنة النبوية، فقد سبق قول النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّه، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهَ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَى تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: [ص: 35] {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي} ، فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِئاً (2) .
[ص 25] ومن أدلته أيضاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، إذ وكّله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فكَذَبَه شيطانٌ ليلتين يحثو في كلّ ليلةٍ من تمر الصدقة، مدَّعياً فاقتَه وعياله زاعماً عدمَ عودته، ثم يعود، حتى جاء الثالثة، فعلّم أبا هريرة أن يقرأ آية الكرسي بتمامها فيكون بعدها في حفظ الله تعالى ولا يقربنَّه شيطان حتى يُصبِح، فقال عليه الصلاة والسلام: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعَلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ (1) .
- وأما تشكلهم على صورة ذي روح من الحيوان، فدليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: لَا تَقتُلُوا الجِنَّانَ (2) ، إِلاّ كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسقِطُ الْوَلَدَ، وَيُذهِبُ الْبَصَرَ، فَاقْتُلُوهُ (3) ، [واستثناء هذين النوعين (الأبتر وذي الطُّفْيَتَيْن) (4) ، من حيات البيوت يقتضي: أن الجني يتمثل في حيات البيوت، إلا في هذين النوعين فلا يتصوّر بصورتهما، لذا فإنه يسنّ [ص 26] قتلُهما مطلقاً] اهـ (1) . وهذا النهي عن قتل حيات البيوت مقيد بوجوب استئذانها ثلاثة أيام، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنّاً قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئاً (2) ، فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ (3) .
- وأما اختلاف الجن وتبايُنهم من حيث الصورة وشكل الخِلْقة، فدليله قوله صلى الله عليه وسلم: الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةٍ: فَثُلُثٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَثُلُثٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَثُلُثٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُونَ (4) .
- وأما كونهم لا تمكننا رؤيتهم على صورتهم الأصلية، فلقول الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] . وهذه الآية دالّة - كما ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله على عدم رؤيتنا لهم على صورتهم الأصلية، وليس معناها انتفاء رؤيتنا لهم في حالة تشكُّلهم بمختلف الصور التي ثبت تشكُّلُهم بها، لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك (5) .
[ص 27] - وأما كون رسل البشر هم رسل للجن أيضًا، وأنه لم ينبأ من الجن أحد ولم يرسل إليهم، فقد سبق تفصيل ذلك، بما أغنى عن إعادته هاهنا (1) وهو الذي عليه جمهور العلماء كما ذكره ابن قيم الجوزية رحمه الله بقوله: (ولما كان الإنس أكملَ من الجن وأتمَّ عقولاً ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أُخَر ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل والأنبياء والمقرّبون، فليس في الجن صنف من هؤلاء، بل حِلْيتهم الصلاح) . اهـ (2) .
- وأما كون طعامهم أوفر اللحم يجدونه عند كل عظم، وكون طعام دوابهم عند كل بَعْرَةٍ أو رَوْثٍ، فدليله قوله صلى الله عليه وسلم مخاطباً الجن - لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْماً، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لَدَوَابِّكُمْ (3) .
- وأما دليل وجود الشياطين منهم - والعياذ بالله - في أماكن قضاء الحاجة كالحشوش ونحوها، فلقوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ، فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (4) .
[ص 28] - وأما كثرة وجودهم - عياذاً بالله - في الأسواق، فلوصية سلمانَ رضي الله عنه، بقوله: ((لا تكونن، إن استطعتَ، أولَ من يدخل السوق ولا آخرَ من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها يَنْصِبُ رايته)) (1) .