مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 197] الفصل السادس
أحكام السحر والسّحَرة في الشريعة المطهّرة
[ص 199] الفصل السادس
أحكام السحر والسّحَرة في الشريعة المطهّرة
تمهيد:
لقد حرص الإسلام بأصوله العامة أن يلقي في رُوع المؤمن مسلّمات يفرّق فيها بين الحق والباطل، حيث تمثل تعاليمه ميزانًا لا شطط في حكمه، يعتمد ابتداءً على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإذا ما أصدر الإسلام حكمًا أو قرر أصلاً وجدنا ذلك متناسقًا بالكلية مع فتوى القلب السليم، ومنحى العقل الحكيم، بينا نجد في كثير من دساتير الأمم قناعًا مشرقًا للتشريعات يقابله وجه عملي لتلك التشريعات تُصيِّرها أسطرًا في أدراج أهل القانون لا تجد إلى الواقع سبيلاً، فإذا ما حرّموا الخمر مثلاً شجعوا الاتجار به، وإذا ما دَعَوا إلى حقوق الإنسان سارعوا إلى انتهاكها بل سحقها، في المقابل نجد أن أمة الإسلام قد لبست وجهًا مجردًا عن الأقنعة في تاريخها، فإذا ما أُعلم الناس بتحريم بادروا إلى الانتهاء عنه، وإذا ما دُعوا إلى فضيلة امتثلوها.
ولعل ما يعنينا من ذلك - في مقامنا هذا - أن من المسلّم فيه عند كل مؤمن وضع السحر وما دار في فلكه في دائرة المحرمات، لما علم من أصل وجوب توحيد الله تعالى، وبناء المجتمع على صفاء العقيدة، وأن الحرص على ذلك هو مكمن القوة في هذا المجتمع، فالمسلم إذا اطلع على فروع أحكام السحر وجدها حالاً قد وافقت ما تأصّل في نفسه، فها هو الفاروق عمر - فيما اشتهر من موافقاته - قد أيقن بتحريم الخمر في قرار نفسه، حتى إنه طلب مرارًا في دعائه: (اللَّهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً) (1) ، لقد كان عمر رضي الله عنه يريد أن يُظهر الله تعالى هذا التحريم الباتّ. كذلك المؤمن؛ فإنه [ص 200] إذا ما عرف حقيقة السحر وما ينطوي عليه من محاولة دك حصن التوحيد والنيل من أهله أدرك حرمته لا محالة، فإذا به يجد في كتاب الله تعالى وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم مصداق ما أفتاه به قلبه السليم وفطرته القويمة. تأسيسًا على ما سبق سأتعرض في هذا الفصل لبيان مسائل وأحكام متعلقة بالسحر تقررت في فروع الفقه الإسلامي، تحذر من تعاطي السحر وتُنفِّر من أهله، وسيكون ترتيب ذلك على ثلاثة أبواب؛ هي كالآتي:
الأول: السحر ثابت، وله حقيقة.
الثاني: في إظهار فروق بين السحر وكلٍّ من المعجزة والكرامة.
الثالث: في بيان أحكام السحر والسحرة.
الأول: السحر ثابت، وله حقيقة.
سبق مرارًا في ثنايا البحث (1) تقرير أن مذهب أهل السنة وجمهور العلماء أن السحر أمر ثابت الوجود، وأنه لو لم يكن موجودًا حقيقة لم ترد النواهي عنه في الشرع، والتصريح بكفر متعلمه والعامل به، وتوعُّد السحرة بحرمان نصيبهم في الآخرة، والتصريح كذلك بالاستعاذة من شر أهله، واعتباره من السبع الموبقات، وأن خلاف العلماء في كون السحر أمر له حقيقة أو هو مجرد تخييل، مردّه إلى نظرهم لمراتب السحر المنقسمة بين الحقيقة والتخييل، وأنه ليس بينهم اختلاف في نفس أمر السحر إنما ذلك من قبل اشتباه هذه المراتب. أقول: مع أن ذلك قد سبق تقريره، إلا أن الحاجة ملجئة للتذكير به، من أجل تعلقه بحكم السحر وعقوبه الساحر، [فمن زعم - وهم عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإستراباذي من أصحاب الشافعي - أن [ص 201] السحر خُدع ومخاريقُ وتمويهات وتخييلات لم يوجب، تبعًا لهذا الأصل، قتلَ الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدًا فيقتل به قصاصًا] (1) ، أما جمهور علماء الأمة الذين هم على أصل إثبات السحر وأن له حقيقة، فقد كفّروا الساحر بنفسه على تفصيلٍ سيأتي قريبًا إن شاء الله.
تنبيه: مما يجدر التنبّه إليه هنا أن وصف السحر بأنه حق - كما تجده في بعض كلام أهل العلم (2) - ليس مقصودًا به المعهود من الحق الذي يقابل الباطل، إنما المقصود: [أنه حقٌ وجودُه وتصوره وأثره بإذن الله القدري الكوني] (3) . فالسحر هو عين الباطل كما لا يخفى، كذلك فإن معنى قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْعَيْنُ حَقٌّ» (4) ، أي: الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه (5) .
مسألة: سبق ذكر أن جمهور العلماء قد قطعوا بأن للسحر حقيقة، واختار آخرون - منهم: أبو جعفر الإستراباذي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري - أن السحر تخييل فقط، فأي شيء يترتب على هذا الاختيار؟
[محل النزاع في هذه المسألة هو: هل يقع بالسحر انقلاب عين أو إحالة طبع أو لا؟ فمن قال إنه تخييل فقط منع ذلك، ثم من قال إنه له حقيقة اختلفوا: هل يقتصر تأثيره على تغيير المزاج فيكون مرضًا من الأمراض؟
[ص 202] أو أن تأثيره يتعدى ذلك وقد ينتهي إلى الإحالة بحيث يصيّر الجماد حيوانًا مثلاً وعكسه؟
وقد ذهب جمهور القائلين بحقيقة السحر إلى أن تأثيره لا يتعدى تغيير المزاج أو التفريق بين متحابّين ونحوه، وذهبت طائفة قليلة منهم إلى قدرة الساحر على قلب عين أو إحالة طبع ونحوه. والواقع لا يشهد بما ذهب إليه هؤلاء، حيث إن كثيرًا من السحرة الذين يدّعون قدرة على تغيير الأشياء لا يستطيعون إقامة البرهان على ذلك] (1) . هذا، وقد [أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقُمّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر] (2) .
الثاني: في إظهار فروق بين السحر وكلٍّ من المعجزة والكرامة (3) .
أ- الفرق بين المعجزة والسحر: يتبين هذا الفرق من وجوه عديدة، منها ما يختص بماهية كل منهما، أو بالقرائن المصاحبة لهما، أو باعتبار القصد منهما، ويمكن إدراج ذلك في ثمانية فروق كالآتي:
[ص 203] المعجزة … السحر
1- … مقترنة دومًا بدعوى النبوة، وبالتحدي لإثبات صدقها. … 1- ليس فيه دعوى للنبوة، أو تحدٍّ لإثباتها.
2- لا توجد إلا من نبي، ولا يُمكِّن الله أحدًا أن يأتي بمثلها، أو بمعارضتها. … 2- يوجد من الساحر وغيره، فيمكن معارضته، بل إبطاله. كما يمكن لجماعة الإتيان به في وقت واحد.
3- لا تكون إلا بما يُعجِز الخلقَ الإتيانُ بمثله. … 3- لا يبلغ - إجماعًا - ما تبلغه المعجزة من مثل: فلق البحر أو قلب عصا حيةً، أو إحياء موتى ونحوه.
4- دالّة على فضل وشرف من ظهرت على يديه، ولا يكون المتحدّي بها إلا أفضل الناس خَلْقًا وخُلُقًا، محبّب لأصحابه معظم عندهم. … 4- دالّ على كفر صاحبه وفسقه، فأثر السحر لا يجري على المسحور، إلا حال كون الساحر مفتونًا في دينه خاسرًا لآخرته، ممقوت محتقر بين الناس.
5- خارق للعادة اتفاقًا، ليست مسبَّبة عن أمر عادي. … 5- ليس خارقًا للعادة - على قول بعض أهل العلم - بل هو علم بأمر عادي يجري الله بمشيئته الكونية أثرًا في نفس المسحور عند تعلق نفس الساحر بذلك، أو قيامه بما يوجب السحر. والسحر إن اعتبر خرقًا للعادة - وهو قول الأكثر - فإنه يبقى أنه ليس موجبًا لحدوث أثره، ولا علة مطّردة لوقوعه، ولا سببًا مولّدًا لذلك. بل قد يقع الأثر وقد لا يقع، فهو من جملة ما يُحدِثه الله تعالى ابتلاءً وفتنة عند وجود السحر.
[ص 204] المعجزة … السحر
6- يكون أثرها على كافة الخلق. … 6- مختص أثره بمن عُمِل له لا يتعداه.
7- القصد منها: نصرة الدين ووجوب اتباع المرسلين. … 7- القصد منه: إيقاع الضر والأذى، مع الإفساد والإضلال.
8- يكون وقوعها بمحض المنة من الله تعالى على عبده بقصد تأييد دعوى نبوته، لهداية قومه. … 8- يكون وقوعه من الساحر بعد أشياء يفعلها وقوى يمازج بينها، ومعاناة يتكبدها، وعلوم يتقنها بمشقة، ورياضات وخلوات.
هذه وجوه ثمانية يتبين بها الفرق بين المعجزة والسحر جليًا، وقد يكون ثَم غيرها، لكن في ذلك القدر كفاية لبيان خِسّة السحر وأهله، وافتراقهم ظاهرًا وباطنًا عما جاء به المرسلون عليهم السلام.
ب- الفرق بين الكرامة (1) والسحر.
يتبين الفرق بينهما من وجوه، منها:
الكرامة … السحر
1- حدوثها يكون ابتداءً من الله تعالى محبة بعبده الولي وإظهارًا لصدق نبوة من اتبعه ذلك الولي. … 1- حدوثه يكون - كما سبق - بأشياء يفعلها الساحر ومعاناة يعانيها.
[ص 205] الكرامة … السحر
2- حدوثها دال على صلاح العبد وعلمه بأحكام الشريعة وحسن عمله بها. … 2- حدوثه دال على كفر الساحر وفسقه، وجهله، وتعدّيه حدود الله، باستعانته بالشياطين والتقرب إليهم.
3- يخفيها من ظهرت على يديه جاهدًا، طلبًا لرضى الله تعالى وتواضعًا له سبحانه. … 3- يفاخر به الساحر، ويعمل جاهدًا لإظهاره، طلبًا للسلطة والتكسب.
هذه بتفصيل الوجوه التي يفترق بها كل من المعجزة والكرامة عن السحر، ويبقى أنها جميعًا تتفق في كونها خوارق للعادة، لكن يفترق السحر والكرامة من جهة عن المعجزة: أن الولي والساحر لا يتحديان بانخراق العادة، ولو فُرض أنهما تحديا الخلق بانخراق العادة لم تنخرق لهما، لكن النبي تقترن معجزته دومًا بدعوى النبوة، والتحدي لإثباتها. والله أعلم.
لا ريب بأن هذا الباب هو واسطة عِقْد نظام هذا الفصل وقطب رحاه، إذ هو المقصود منه، بل المقصود من مجمل الكتاب، فلو أدرك أولئك السحرة والمشعوذون جسيم خطر ما يقدمون عليه، ولو تفهم كثير من الناس حقيقة هؤلاء وعاقبة أمر من يأتيهم ويتبع أثرهم، لولوا مدبرين عن ذلك كله، إلا أن الشياطين سولت لهؤلاء بأن أعمالهم قد تندرج في علوم الدين وأصوله، فها هم هؤلاء يجعلون أوفاقًا بأسماء الله الحسنى، وقرعات بآيات الكتاب، وحروزًا وأحجبة نسبوها زورًا لآل البيت الأطهار، ومثلثات لعلماء أخيار، وأقسامًا على ملائكة أبرار، واستخدامًا لملوك الجن بحيازة الاسم الأعظم لله العلي الجبار، فما المعيب في ذلك كله ما دام أنه باسم الدين ومحبة بعباد الله الصالحين؟! نعم، هذا هو زعم كثير من هؤلاء، ثم إنهم [ص 206] ازداد عملهم حُسنًا وتشبّع خيرًا - بزعمهم - حيث هرعوا إلى نجدة المرضى وجلب المسروق، وإخراج الجن الصارع من بدن الممسوس، فعظم تأثر الناس بهم، وافتتانهم بهم، أقول: لو علم الناس حقيقة هؤلاء الذين يفتّون في عضد الإسلام، ويحاولون دك أركانه، وأنهم من جنس عبدة الشياطين، والمشركين والمستقسمين بالأزلام، والصابئة عبدة النجوم، وأنهم سحرة مارقون من الدين، وكهنة تتنزل عليهم الشياطين، ودجالون مشعوذون يطلبون فتات الدنيا وحطامها، لانفض كثير من الناس عنهم، فلا يُظن بمسلم أن يرضى لتعاليم الإسلام السمحة، التي أفاضت على الإنسانية قرونًا خيرًا وعلمًا وحقًا، أن تغدو ألغازًا وطلسمات وحجبًا وتعويذات، وأن يتزاحم أهل الإسلام طالبين العلاج الروحاني من أسرار الحروف، وخواص الأعداد، وقدرات الأفلاك. هذا، وإن الشريعة لم تَدَع أمر هؤلاء يخبطون في مصائر الخلق خبط عشواء، بل أكدت النصوص الكريمة كونهم من حزب الشيطان، وأنهم صائرون إلى ما يصير إليه من الخسران، فلم تفسح لهم ولو كمَفْحَص قَطاةٍ (1) في حظيرة الإيمان، أو تؤمّلهم ولو بموضع سوط في جنان الرحمن.
فواعجبًا ممن رضي بالنجم ربًا وبالسحر والكهانة دينًا، وبالاستقسام استخارة ودليلاً، ونبذ كتاب الله وراء ظهره، وأخرج هدي رسول الإسلام من قلبه قبل عقله، وحفظ الدعوات الشركية وهجر الاستجارة برب البرية، ثم هو من بعد ذلك كله قصد الضرّ بالعباد، بيد أنه نصح من تعلّم منه ألا يعمل هذا الضر إلا لمستحقه، ومِن فَرْط تقواه فقد نبّه المتعلم إلى ضرورة استحضار تقوى الله في عمل السحر، فإنه إن عمل ذلك لغير مستحقه فهو [ص 207] المسؤول عن ذلك يوم التناد!! أما سمع أحدهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُْولى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (1) ؟!
أخي القارئ؛ بعد أن تبين لك حقيقة السحرة، وقبح فعالهم، هاك أحكام هؤلاء في الفقه الإسلامي؛ وهي - مع تشعّبها - مُتضمَّنة في مبحثين اثنين، كالآتي:
الأول: بيان حكم تعلّم السحر، وتعليمه.
الثاني: بيان الأحكام المتعلقة بالساحر، وفيه خمسة مطالب:
1- … حكم ساحر المسلمين.
2- … حكم ساحر أهل الكتاب.
3- … حكم النساء السواحر.
4- … هل يُستتاب الساحر، وهل تقبل توبته؟
5- … ما هي النُّشْرة؟ وهل يُسأل الساحر حلَّ السحر؟
[ص 208] المبحث الأول: بيان حكم تعلم السحر، وتعليمه.
[إن الحكم في ذلك مترتب - كما لا يخفى - على إثبات أن ما يتعلمه المتعلم سحرًا؛ فإن الله تعالى قال في الملكين: [البَقَرَة: 102] {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ، فبيّن عز وجل أن متعلم السحر بمجرد تعلّمه يكفر سواء عمل به وعلّمه أو لا. فالملكان عرفا أن السحر من الكفر، وأن من تعلمه خرج الإيمان من قلبه. كذلك، فإن الله سبحانه قد أيأس من ارتضى تعلم السحر من نصيبه في الجنة، فقال تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ، وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، فمن حُرِمها فلا حظ له بإيمان. ثم إن من أصرح الأدلة على كفر المتعلم للسحر ونفي الإيمان عنه بالكلية قوله تعالى: [البَقَرَة: 103] {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} . فإنه لا يقال للمؤمن المتقي ولو أنه آمن واتقى، وإنما يقال ذلك لمن كفر وفجر] (1) .
إذا تقرر ذلك يُنظر بعدها في القدر المتعلَّم الذي يصير به المتعلِّم كافرًا والعياذ بالله، [فإن كان السحر مما يُعظّم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومما يؤدي إلى الكفر كذلك تعلم سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة فإنه كفر بلا نزاع؛ كما دل عليه قوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، وقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ، وقوله عز وجل: [طه: 69] {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، ثم إن كان السحر المُتعلَّم لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمةً شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر] (2) .
[ص 209] [فالقول بأن السحر كفر على الإطلاق لا يستقيم، وأنه يجب البحث عن مرتبة السحر، فإن كان على التخييل فلا ريب أنه ليس بكفر إنما هو معصية وفسق، لكن إن كان السحر على الحقيقة ننظر؛ فإن كان في ذلك ردّ ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر، وإلا فلا، فليس كل ما يسمى سحرًا كفرًا، إذ ليس سبب التكفير ما يترتب عليه من الضرر، بل لما يقع به ويلازمه مما هو كفر؛ كاعتقاد انفراد الكواكب بالربوبية، أو إهانة قرآن، أو كلام مُكفِّر ونحو ذلك] (1) . ويدخل في ذلك: [الساحر المتعلم من الشياطين فإن كلَّ تعلُّمِه كفر؛ قليله وكثيره، كما هو ظاهر القرآن] (2) .
أخي القارئ، يتحصل مما سبق في حكم تعلم السحر وتعليمه أمور، أوجزها بما يلي:
1- … ينبغي ابتداءً التثبُّتُ من كون المُتعلَّم سحرًا.
2- … إن كان هذا السحر على الحقيقة لا على التخييل أو المجاز، يُنظر بعدها في نوعه.
3- … إن ثبت أن نوع السحر الحقيقي من جنس ما يعظّم فيه غير الله تعالى، أو يُستهزأ فيه بالدين، كإهانة مصحف أو استحلال محرّم مجمع على تحريمه، أو كان فيه تصريح بكلام مكفّرٍ، أو القيام بما يقتضي التكفير من نحو سجود لنجم أو تذللٍ لشيطان أو استغاثة صريحة به، أو تعلّم ما اتفق على كونه سحرًا كسحر بني إسرائيل المتلقى عن شياطينهم، أو سحر هاروت وماروت، كان ذلك القَدْر من التعلم وشروطه كافيًا للحكم بأنه كفر، وأن متعلمه ومعلّمه قد انتفى عنهما وصف الإيمان، والعياذ بالله تعالى.
[ص 210] 4- … فإن كان سحرًا حقيقيًا - من غير ما سبق - كالسحر بخواص النفوس القوية، أو بخواص العناصر الأرضية كدهن خاص أو مائعات خاصة، أو بخواص أدوية وعقاقير كالمرائر والأكباد والأدمغة لحيوانات معينة، مما له أثر في الواقع على المسحور بتغير الطبع أو العادة ونحوه، فإن ذلك السحر يحرم حرمة شديدة، لكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر، إلا إذا استحلّ الساحر ما يفعله، واعتقد إباحته، والله أعلم.
بقي استكمالاً لبيان هذا المبحث التنبيه على مسألة أوردها أبو عبد الله الرازي في «تفسيره» .
تفيد بأن علم السحر ليس بقبيح ولا محظور بل هو جائز وقد يكون واجبًا في حال من الأحوال، مما يُشكِل على قارئه، ويوهمه خلاف المذهب الحق، أردت نقلها كما هي، ومن ثم إثبات وجوه ردّ الإمام ابن كثير عليه بنص كلامه، إتمامًا للفائدة إن شاء الله تعالى.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1) ناقلاً كلامًا للرازي من تفسيره: [المسألة الخامسة: في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: [الزُّمَر: 9] {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ، ولأن السحر لو لم يكن يُعلَم لَما أَمْكَنَ الفرقُ بينه وبين المُعجِز، والعلم بكون المُعجِز مُعجِزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا كيف يكون حرامًا وقبيحًا؟] ثم قال الإمام ابن كثير رادًا عليه في هذه المسألة ما نصه: [هذا لفظُه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجوه، أحدها: قوله: (العلم بالسحر ليس بقبيح) ، إن عنى به ليس بقبيح عقلاً، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون [ص 211] هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا ففي هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} - تبشيع لتعلّم السحر، وفي الصحيح: «مَنْ أَتى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (1) ، وفي الأثر: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً وَنَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ» (2) ، وقوله أي الرازي-: (ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك) ، كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث، واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصُهم على ذلك، ثم إدخالُه السحر في عموم قوله تعالى: [الزُّمَر: 9] {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ، فيه نظر؛ لأن هذه الآيةَ إنما دلت على مدح العالِمين بالعلم الشرعي، ولِمَ قلتَ إن هذا - أي علم السحر - منه؟! ثم ترقِّيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظمَ معجزات رسولنا
عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم إن العلم بأنه - أي: القرآن العظيم - مُعجِز لا يتوقف على علم السحر أصلاً. ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتَهم، كانوا يعلمون المُعجِز، ويفرّقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلّموه ولا علّموه، والله أعلم] . لقد بيّن الإمام ابن كثير رحمه الله فيما سبق تهافت القول بجواز تعلم السحر أو وجوبه، وقد ذكر رحمه الله في ثنايا وجوه الرد - انعدام نص قول أيٍ من أهل التحقيق في العلم بجواز تعلم السحر وعدم حظر ذلك، وقد يكون مناسبًا في هذا المقام إثبات بعض نصوص [ص 212] هؤلاء، وهم جمهور العلماء على ما نقله الإمام ابن كثير أيضًا في تفسيره (1) عن الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة (2) في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) ، حيث قال: [اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إنْ تعلّمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلّمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كَفَرَ، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي رحمه الله: إذا تعلّم السحر قلنا له: صِفْ لنا سحرك، فإنْ وَصَفَ ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابلَ من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يُلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفرَ فإن اعتقد إباحته فهو كافر] . اهـ.
هذا ويقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله: (تعلم السحر وتعليمه حرام على المذهب الصحيح، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم) (3) . ويقول النووي رحمه الله: (تعلّمُ السحر حرام على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور، كالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعيين وكل ما كان سببًا لإثارة الشكوك) ، ويقول أيضًا: ويحرم تعلمه وتعليمه لقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، فذمّهم على تعليمه، لأن تعلّمه يدعو إلى فعله وفعله محرّم، فحرم ما يدعو إليه (4) . هذا وقد يكون من أصرح ما يدل على علة تحريم تعلّم السحر، ما تنبّه إليه العلاّمة الشنقيطي رحمه الله، بقوله: (اعلم أن الناس قد اختلفوا في تعلم السحر من غير عمل به، [ص 213] هل يجوز أو لا؟ والتحقيق وهو الذي عليه الجمهور: هو أنه لا يجوز، ومن أصرح الأدلة في ذلك تصريحه تعالى بأنه يضرّ ولا ينفع في قوله: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} وإذا أثبت الله أن السحر ضار، ونفى أنه نافع، فكيف يجوز تعلّم ما هو ضرر محض لا نفع فيه؟! (1) .
وإذا كان لي ختامًا من بيانٍ لعلة تحريم تعلّم السحر، فقد أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: [البَقَرَة: 102] {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} فإن مفهوم الآية قد دلّ بوضوح على التحريم، إذ هي نصت على كون تعلم السحر فتنة، وهذا متضمّن للتحذير الشديد من تعلّمه، كما أنها رتبت كفرًا على من تعلمه، فكيف يكون تعلُّم أمرٍ يفتن المرءَ عن دينه، ويعرّضه للكفر، كيف يكون ذلك حلالاً؟! كذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نصّ على أن السحر من الموبقات السبع، في قوله صلى الله عليه وسلم: «اِجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاللهِ، وَالسِّحْرَ، وَقَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلَ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (2) . فكيف يكون تعلّم المُوبِق المهلك - وقد سبقه الشركُ ولحق به أعظمُ الكبائر - حلالاً؟!
أما قول الإمام ابن حجر رحمه الله في تجويز بعض أهل العلم تعلم السحر لأسباب: (وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفرٌ عن غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول - أي بقصد التمييز - فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد، فمعرفة الشيء [ص 214] بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به. وأما الثاني - أي: تعلم السحر بقصد إزالته عمن وقع فيه - فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يَحِلّ أصلاً، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة (1) . اهـ. فإن عبارة الإمام الأخيرة المفيدة لجواز تعلم السحر إن لم يشتمل على كفر أو فسق بقصد إزالة السحر عن المسحور قد يُشكِل فهمُها على ظاهرها، إلا أن الإمام رحمه الله قد بيّن مراده بهذا، في باب (هل يستخرج السحر) ، فذكر أن الجواز المذكور هو تعلم النشرة، وأنها على نوعين منها ما يكون بالرقى والأدعية والتعويذ، ومنها النشرة التي هي من عمل الشيطان، وهي المشتملة على تعلّم نوع من أنواع السحر. وأن حكم تعلم الأخيرة يختلف بقصد المتعلم، فمن قصد خيرًا فخير؛ وإلا فهو شر. ومع هذا البيان، فقد ذكر العلاّمة الشنقيطي بعد أن ساق كلام الإمام ابن حجر هذا ردًا مقتضبًا هاك نصه: (قوله - أي بجواز تعلم السحر إن لم يشتمل على نوع كفر أو فسق - خلاف التحقيق، إذ ليس لأحد أن يبيح ما صرّح الله بأنه يضر ولا ينفع، مع أن تعلمه قد يكون ذريعة للعمل به، والذريعة إلى الحرام يجب سَدّها، هذا هو الظاهر لنا، والعلم عند الله تعالى] (2) . اهـ.
أخي القارئ، أما وقد تبين لك مذهب عامة علماء المسلمين إلى تحريم تعلم السحر وتعليمه حرمة شديدة، وأنه إن اشتمل على تعظيم مخلوق أو تقرب إليه من دون الله، أو اعتقاد بحِلِّ السحر، صار مكفّرًا بإجماعهم، وأنه إن كان من التخييل والشعوذة فإنه يحرم كذلك لكنه لا يكون مكفّرًا، إلا إذا اشتمل على استعانة صريحة بشيطان ونحوه. أقول: حيث تبين لك ذلك، أنتقل بعدها - مؤسِّسًا على ما سبق - إلى حكم الساحر، وبالله التوفيق.
[ص 215] المبحث الثاني: بيان الأحكام المتعلقة بالساحر.
هذا المبحث يشتمل على كل من المطالب الآتية:
1 - حكم ساحر المسلمين.
2- حكم ساحر أهل الكتاب.
3- حكم السواحر من المسلمات.
4- حكم قبول توبة الساحر.
5- حكم النُّشْرة، وهي حل السحر بسحر مثله.
1- حكم ساحر المسلمين (1) - وهو من تعلم سحرًا وعمل به وكان من المسلمين -: فالتحقيق أن يُنظر في السحر الذي استعمله فإن كان سحرًا مما ثبت أن الله تعالى قد كفّر بتعلمه من سحر هاروت وماروت، - ومنه سحر التفريق - أو مما تقولته الشياطين على ملك سليمان عليه السلام، أو ثبت أنه سحر اشتمل على كفر باعتقاد أو قول أو فعل، فلا شك بأن الساحر عندها يقتل كفرًا - أي أنه يستحق بكفره بسحره ما يستحقه المرتد - لقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» (2) ، وأما إن كان الساحر قد عمل السحر الذي لا يبلغ بصاحبه الكفر - كالاستعانة بخواص النفوس أو الخواص المنسوبة إلى بعض الحقائق، أو استعماله لعقاقير وتدخينات تؤثر في بدن المسحور وإرادته - فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، فمنهم من قال: يُقتل حدًا إذا عمل بهذا السحر، سواء قتل بسحره أحدًا أم لم يقتل، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم الأئمة: مالك وأبو حنيفة وأحمد في أصح الروايتين، وذهب الشافعي وابن المنذر ومن وافقهما إلى أن الساحر لا يقتل إن عمل بسحر لا [ص 216] يبلغ به الكفر، إلا إن قتل بسحره نفسًا معصومة فإنه يُقتل بها قصاصًا لا حدًّا (1) . وقد استدل كل من أصحاب القولين بأدلة، فاحتج القائلون بالقتل حدًا بحديث: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» (2) أو: «ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» ، واحتجوا كذلك بثلاثة آثار عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم عمر وابنته حفصة أم المؤمنين وجُنْدَب بن كعب الأزدي رضي الله عنهم، أما الأول: فعن عمر رضي الله عنه (أنه كتب قبل موته بسنة أنِ اقتلوا كل ساحر، قال - أي بجالةُ بن عبدة -: فقتلنا في يوم ثلاث سواحر) (3) . وفي روايةٍ: (اقتلوا كلَّ ساحر وساحرة) (4) . والثاني: أن حفصة زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها، سحرَتْها، وقد كانت [ص 217] دبّرتها (1) . فأمرت بها فقُتِلت (2) .
أما الأثر الثالث: فهو ما روي عن جُنْدَب البَجَلي أنه قتل ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة، ثم قال: [الأنبيَاء: 3] {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} (3) .
قال ابن كثير رحمه الله (4) : (وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيردّ إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين (5) ، فلما كان الغدُ جاء مشتملاً على سيفه، وذهب الساحر يلعب لعبَه ذلك، فاخترط الرجل سيفَه فضرب عُنُق الساحر، وقال: إن كان صادقًا فليُحْيِ نفسه، ثم تلا قوله تعالى: [الأنبيَاء: 3] {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} ، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه، والله أعلم. اهـ.
تلك هي الآثار الثلاثة التي احتج بها القائلون بقتل الساحر مطلقًا، ويعتضد ذلك بحديث: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» (6) ، والآثار المذكورة والحديث فيهما دلالة قوية على أنه يقتل ولو لم يبلغ به سحره الكفر، لأن [ص 218] الساحر الذي قتله جندب رضي الله عنه كان سِحْرُه من نحو الشعوذة والأخذ بالعيون، حتى إنه يُخيِّل إليهم أنه أبان رأسَ الرجل، والواقع بخلاف ذلك. وقول عمر رضي الله عنه: «اقتلوا كلَّ ساحر» يدل على ذلك أيضًا؛ لمجيئه بصيغة العموم.
واحتج من قال: بأنه إن كان سحره لم يبلغ به الكفر لا يقتل بحديث ابن مسعود: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَاّ بِإِحْدى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» (1) ، وقالوا: إن السحر الذي لم يكفر صاحبُه ليس من الثلاث المذكورة. واحتجوا أيضًا بأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبّرة لها سحرَتْها (2) ، ووجه الدلالة: أنه لو وجب قتلها لما حلّ بيعها.
أخي القارئ، هذا عرض بما يتسع له المقام لأقوال العلماء في حكم قتل الساحر الذي تعاطى سحرًا حقيقيًا، لكنه لا يبلغ به الكفر، أذكر بعدها ترجيحًا في ذلك للعلاّمة الشنقيطي رحمه الله، حيث قال: [والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، ولم يقتل إنسانًا: أنه لا يُقتل، لدلالة النصوص القطعية، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سُنَّة مرفوعة غير ظاهر عندي. والعلم عند الله تعالى. مع أن القول بقتله مطلقًا قوي جدًا لفعل الصحابة له من غير نكير] (3) . اهـ.
هذا ما رجّحه الشنقيطيُّ رحمه الله من التورع عن قتل امرئ مسلم إلا بدليل قطعيِّ الثبوت والدلالة، مع إشارته - في ختام كلامه - إلى قوة مذهب [ص 219] الجمهور بالقتل مطلقًا، بما يُشعر بأن ترجيحه فيه عنده نظر، وبخاصة إذا عرفت أنه قد صرّح في موضع آخر بوجوب قتل ساحر أهل الذمة، وأنه لا يكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين (1) . كذلك فقد رجّح الإمام القرطبي منع قتل الساحر إلا إن اشتمل سحره على كفر، فقال بعد أن نقل قول ابن المنذر بهذا المذهب واحتجاجه له، قال: قلت: وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف، والله تعالى أعلم (2) .
ولعلّ المختار في ذلك ما كاد أن يكون إجماعًا من كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ، وتابعيهم (4) ومن تبعهم (5) ، وكان عليه عملهم، من وجوب قتل الساحر مطلقًا لردته بسحره، سواء أتى بسحره بمكفِّرٍ، أو قتل به نفسًا معصومة أم لا. وهو مذهب الأئمة: أبو حنيفة ومالك وأحمد في أصح الروايتين - كما ذكر آنفًا - وقد رجح ذلك صاحب المغني (6) ، كما رجحه العلامة ابن عثيمين رحمه الله (7) والحافظ أبو بكر المالكي رحمه الله (8) . وقد يكون مناسبًا في هذا المقام إيراد أقوال بعض الأئمة الناقلين لوجوب قتل الساحر مطلقًا:
[ص 220] - … قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أكثر العلماء قالوا على أنه يقتل، أي: الساحر) ، وقال أيضًا: (أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله) (1) .
- … وقال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: (وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المنصوص عنه، وهذا هو الماثور عن الصحابة، كعمر وابنه، وعثمان، وغيرهم) (2) .
- … وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: (وحد الساحر القتل؛ روي ذلك عن عمر، وعثمان ابن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب ابن كعب - أي الأزدي (3) - وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة ومالك) ، ثم نقل رحمه الله أثر عمر رضي الله عنه: (أن اقتلوا كل ساحر) ، ثم قال: (وهذا اشتهر فلم يُنكَر، فكان إجماعًا) (4) .
- أما الإمام الشوكاني؛ فبعد أن قرر وجوب قتل الساحر، عاد فرجّح مذهب الشافعيّ رحمه الله بتقييد ذلك بما إذا تضمن ذلك السحر كفرًا، فقال رحمه الله: «باب من يستحق القتل: هو الحربي، والمرتد، والساحر،....» ثم قال:
[ص 221] «وأما الساحر فلِكَوْن عمل السحر نوعًا من الكفر، ففاعله مرتد يستحق ما يستحق المرتد» ، ثم قال بعدها: «والأرجح ما قاله الشافعي، لأن الساحر إنما يُقتل لكفره، فلا بد أن يكون ما عَمِله من السحر موجبًا للكفر» (1) .
هذا، والنُّقول عن العلماء في هذه المسألة عديدة، يصعب حصرها (2) ، أقتصر على ما أوردت منها، والله المستعان وعليه التُّكلان.
2- حكم ساحر أهل الكتاب: وهو المتعاطي للسحر حال كونه كتابيًا معاهدًا، أي ذميًا؛ يهوديًا كان أو نصرانيًا، فعند الجمهور: مالك والشافعي وأحمد أنه يُعزَّر ولا يُقتل، واحتجوا بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتل لبيد بن الأعصم، وكان يهوديًا سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وعند أبي حنيفة: أنه يُقتل كما يقتل الساحر المسلم.
قال الإمام الجصّاص مبينًا مذهب أبي حنيفة في وجوب قتل الساحر الذِّمِّي ما نصُّه: (العبد المسلم والذمّي والحرُّ الذمّي؛ مَن أقرَّ منهم أنه ساحر فقد حلّ دمُه، فيُقتل ولا يُقبل منه توبته) (3) .
ويقول الإمام القرطبي - وهو مالكيُّ المذهب -: (وأما ساحر الذمة، فقيل: يُقتل، وقال مالك: لا يُقتل إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى، ويُقتل إن جاء منه ما لم يُعاهد عليه) (4) .
[ص 222] أما الإمام النووي فقد بيّن مذهب الشافعية بقوله: (إن الذمي عندهم لا يُقتل، فقد «سئل الزهري أعلى مَنْ سحر من أهل العهد قتلٌ؟ فقال: بلغنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صُنِع له ذلك فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب» (1) . أي لبيد بن الأعصم.
وقد بيّن ابن قدامة المقدسي مذهب الحنابلة بقوله: وساحر أهل الكتاب لا يقتل لسحره، إلا أن يَقتل به، ويكون - أي سِحْرُه - مما يَقتُل غالبًا، فيُقتل الساحر قصاصًا، وذلك أن لبيد بن الأعصم سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم فلم يقتله، ولأن الشرك أعظم من سحره فلا يُقتل به، والأخبار وردت في ساحر المسلمين، لأنه يكفر بسحره، وهذا - أي ساحر أهل الكتاب - كافر أصلي) (2) .
فائدة: قال ابن بطّال - شارح البخاري رحمه الله بعد أن ذكر قول ابن شهاب الزهري: بلغنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صُنِع له ذلك … ، قال: (لا يُقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، لقول ابن شهاب، ولكن يعاقب، إلا أن يقتل بسحره، فيُقتل، أو يُحدِث حدثاُ فيؤخذ منه بقدر ذلك) (3) .
هذا، وبعد الإعلام بأن الجمهور على عدم قتل ساحر أهل الكتاب، خلافًا لأبي حنيفة، فقد رجّح العلاّمة الشنقيطي رحمه الله القول بوجوب قتل ساحر أهل الذمة - كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله وهاك قوله: (وأظهر الأقوال عندنا أنه لا يكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يُقتل كما يقتل ساحر المسلمين، وأما عدم قتله صلى الله عليه وسلم لابن الأعصم، فقد بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة، فدلّ على أنه لولا ذلك لقتله. وقد [ص 223] ترك صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين لئلا يقول الناس محمد يقتل أصحابه، فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام، مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق، وهو عبارة عن المنافق، والله تعالى أعلم) (1) .
3- حكم المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تُقتل ولكن تُحبس، وقال الثلاثة - أي مالك والشافعي وأحمد - حكمها حكم الرجل على التفصيل الذي سبق، والله أعلم (2) .
قال العلاّمة الشنقيطي رحمه الله بعد أن حكى الاختلاف السابق في حكم المسلمة الساحرة - مُرجِّحًا قول الجمهور -: (وأظهر القولين عندي: أن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر، وأنها إن كفرت بسحرها قُتلت كما يقتل الرجل لأن لفظة: «مَنْ» في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (3) ، تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحِّهما إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: [النِّسَاء: 124] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ، فأدخل الأنثى في لفظة (مَنْ) ، وقوله تعالى: [الأحزَاب: 31] {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ، إلى غير ذلك من الآيات) (4) .
4- حكم قبول توبة الساحر؟
قال ابن كثير في تفسيره (5) : (قال - أي الوزير ابن هبيرة - وهل إذا تاب الساحر تُقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنه لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل) .
[ص 224] وقال القرطبي في تفسيره: (ذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا: يُقتل ولا يُستتاب، ولا تُقبل توبته، لأنه أمر يَسْتَسِرُّ به كالزنديق والزاني) (1) ، واحتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته، لأن السحر باطن لا يُظهره صاحبه فلا تُعرف توبتُه كالزنديق؛ وإنما يستتاب من أظهر الكفرَ مرتدًا. قال مالك: فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبًا قبل أن يُشهد عليهما قُبلت توبتُهما، والحجة في ذلك قوله تعالى: [غَافر: 85] {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} ، فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب، فكذلك هذان) (2) أي: الساحر والزنديق.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله، بعد أن ذكر أثر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: (اقتلوا كل ساحر) ، قال: (ظاهره أنه يُقتل من غير استتابة، وهو المشهور عن أحمد، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة) (3) . اهـ.
أما العلاّمة الشنقيطي رحمه الله فقد رجّح استتابة الساحر، وقبول توبته، وهاك قولَه (4) : (وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يُستتاب، فإن تاب قُبلت توبته) ، ثم علل قبول توبة الزنديق (بأن الله تعالى لم يأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالتنقيب عن قلوب الناس، بل بالاكتفاء بالظاهر، وأن ما يخفونه في سرائرهم أمره إلى الله تعالى) . وظاهر ترجيحه رحمه الله أنه مختص بالساحر فيما إذا أسرّ بسحره أو لم يُقِرّ به، والله أعلم.
[ص 225] 5- حكم النُّشرة، وهي: حل السحر بسحر مثلِه، فإن الحكم في هذه المسألة بالجواز أو عدمه، ينبغي التأسيس له بمعرفة المقصود بحل السحر عن المسحور، هل هو عين النُّشْرة أم عمل آخر لا يتعلق بها؟ ولبيان ذلك لا بد من معرفة المقصود بالنشرة وبيان حكمها، ومن ثم تقرير حكم حل السحر عن المسحور بطريق السحر.
أ- أما النُّشْرة - بالضمّ - فهي: (ضرب من العلاج، يُعالَج به من يُظن أن به سحرًا، أو مسًا من الجن، وقيل لها ذلك، لأنه يُنْشَر بها عنه ما خامره من الداء، أي يُكشف ويُزال) (1) .
(وإذا نُشِّر المسفوع كان كأنما أُنشط من عقال) (2) ، ومعنى ذلك: (أن من به نظرة من الشيطان، أي علامة منه، أو ضربة واحدة منه، أو كان به إصابة بالعين، إذا عولج بالنشرة، حُلّ عنه ذلك سريعًا وقام كأنْ ليس به شيء) (3) .
أما حكم النشرة ففيه تفصيل؛ وهو تبع لما تكون عليه، وهي على أحد ضربين:
الأول: تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مَقُولة أو مكتوبة (لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لِتُعَلَّق فتكون تميمة) ، ويقصد بهذه النشرة معالجة من كان به طِب. أي: سحر أو عين أو مس أو عَصْب عن امرأته.
والثاني: حل السحر عن المسحور بسحر أو بألفاظ أعجمية - لا تُعلَم - أو بطلاسم لا يُفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودًا من النشرة في الجاهلية.
[ص 226] فالنشرة الأولى لا بأس بها، لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرّة (1) .
وأما الثانية؛ وهي استخراج السحر بسحر أو بألفاظ أعجمية أو بما لا يُفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع (2) .
وعلى هذا التفصيل السابق تُحمل أقوال بعض أهل العلم الذين أجازوا النشرة، وعللوا لجوازها بحصول النفع، أو كونها بالعربية، ومن هؤلاء سعيد ابن المسيَّب، والمُزَنِيُّ، والشَّعْبي، والطبري، كما يفسّر بهذا التفصيل قولُ من منعها من أهل العلم؛ كالحسن البصري، وابن تيمية، وابن القيم، وابن الجوزي، رحم الله الجميع. وهاك أخي القارئ أدلة كلٍّ من الفريقين، بعدما علمت طريق الجمع بين مذاهبهم في حكم النشرة.
من أدلة القائلين بجواز النشرة:
1- … قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين سألته عائشة رضي الله عنها: أفلا؟ أي: تنشَّرْتَ، فقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» (3) . ووجه الاستدلال في ذلك: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم ينكر على السيدة عائشة سؤالها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر - في هذا الحديث - حرمة النُّشرة، مع أن المقام مقام بيان الحكم، مع شدة الحاجة إليه، فعُلِم بذلك أصل مشروعية النشرة، والله أعلم.
2- … واستدلوا أيضًا بقول سعيد بن المسيَّب لما سأله قتادةُ رحمهما الله قائلاً: رجل به طِبّ، أو يؤخذ عن امرأته، أيُحَلُّ عنه أو يُنَشَّر؟ قال:
[ص 227] لا بأس، إنما يريدون به الإصلاحَ، فأما ما ينفع الناس فلم يُنْهَ عنه (1) . اهـ.
أما القائلون بتحريم النشرة، لكونها من السحر، فمن أدلتهم:
- … ما نصت عليه الآية الكريمة: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} ، فقد صرّحت بأن السحر ضُرّ محض لا يتأتى منه نفع قط، فكيف ينتفع المنشّر عنه بسحر؟!
- … وكذلك النصُّ على عدم فلاح الساحر مطلقًا، في قوله تعالى: [طه: 69] {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، فكيف يرجى ممن لا يتأتى له فلاح في جميع أمره في الدنيا والآخرة أن ينفع مسحورًا بنُشرة يعملها؟!
- … ومن أدلتهم أيضًا قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (2) .
- … وقولُه صلى الله عليه وسلم حين سئل عن النشرة: «هو من عمل الشيطان» (3) .
ووجه الاستدلال في الحديثين السابقين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيّد في الحديث الأول جواز الاسترقاء بما لم يكن فيه شرك، ومعلوم أن النشرة بالسحر قد تتضمن شركًا، أو كلامًا أعجميًا - لا يُعلم - قد يحوي شركًا، أما الحديث الثاني فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النشرة من عمل الشيطان؛ لأنه [ص 228] لا يُعلم عند العرب من شأن النشرة - إذا أُطلقت - إلا النشرة المعهودة في الجاهلية، وأصلها عندهم: حل السحر بسحر مثله.
هذا، وقد بسطت القول في حكم النشرة بما يتسع له المقام؛ وذلك لشدة حاجة المبتلى بسحر إليها، ولكثرة وقوع المسألة فيها، والمختار من أقوال العلماء في حكمها قول من ذهب إلى التفصيل، حيث يمكن به الجمع بين ما ظاهره التعارض من النصوص، والله أعلم.
أما ما ذكره بعض أهل العلم مما عرفه العرب واشتهر عندهم من طُرُق للنشرة، فأذكرها هنا إتمامًا للمطلب، ولا أجزم بنفعها أو مشروعيتها، ما خلا ما يقرأ من آيات الله تعالى في الصنفين الثالث والرابع منها:
1- … [ما يسمّى (الحَلّ) ، وهو أن الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها، فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسًا ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجِّج نارًا في تلك الحزمة، حتى إذا ما حمي الفأسُ استخرجه من النار وبال على حرّه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
2- … أن يتنشّر بأن يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة، وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف، ويجعل فيها ماءً عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
3- … أن يخرج الإنسان في موضع عضاه (1) ، فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كلٍّ، ثم يدقّه ويقرأ فيه، ثم يغتسل به.
[ص 229] 4- … أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سدر أخضر، فيدقّه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، والقواقل (1) ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كلُّ ما به، وهو جيد للرجل إذا حُبِس عن أهله] (2) .
***