مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 128] ثالثًا: أنواع السحر من حيث أثره على المسحور.
قسّم بعض المصنفين المعاصرين (1) السحر باعتبار تأثيره إلى أقسام عديدة، منها:
1- سحر التفريق وهو المسمّى (الصرف) ، وهو: عمل السحر للتفريق بين الزوجين، أو لبثِّ البغض والكراهية بين صديقين أو شريكين. قال تعالى: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ} .
وفي الحديث: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمَهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» (2) .
ويدخل في سحر التفريق، سحر الرَّبْط (العَقْد أو العَصْب) ، ويسمى بالصَّرْف، وله صور عديدة، منها: الحِسِّي، كأن يؤخذ الرجل عن زوجته فلا يستطيع جماعها إما بعُنّة يجدها عند إرادة الجماع، وإما بحدوث قذف [ص 129] سريع، ونحو ذلك. ومن الربط ما يكون معنويًا: كانعدام شهوة أو تقبيح صورة، أو وجود غَيْرَة غير مبررة شرعًا، أو الإحساس براحة نفسية عند الابتعاد عن أهله، وقد يحدث الربط أيضًا للمرأة بطرق منها ما يسمى بالتغوير، وهو شعور الرجل بأن امرأته ليست بكرًا عند شروعه بجماعها أول مرة، ومنه التصفيح فلا يتمكن الرجل معه من الجماع، ومنه النزيف، بحيث أنه كلما أراد جماعًا أعاقه عن ذلك جريان دم في عرق الرحم بركضة يركضها شيطان الساحر، وكما يكون الربط معنويًا للرجل، فإن ذلك ينطبق على المرأة أيضًا، ومن ذلك شعورها بالتبلّد التام حال الجماع، وهو المسمى بربط البرود أو التبلّد، ومما يجدر التنبه إليه هنا إلى أن أمراضًا عضوية أو نفسية تلمّ بالرجل أو المرأة قد تكون سببًا في إضعاف القدرة الجنسية لديهما، لذا ينبغي عدم التسرع بالحكم بوجود سحر ربطٍ إلا بعد استشارة أهل الطب في ذلك بما يقطع الشك باليقين، فإذا ما سَلِما من أي علة عضوية أو نفسية غلب على الظن عندها حصول ربط، فيُعمد إلى علاجه.
2- سحر المحبة (التِّوَلة) : وهو المسمى بالعطف، ويكون - غالبًا - بطلب المرأة من ساحر أن يوقع محبة بل شغفًا بها في قلب زوجها، فيأمرها عندئذ بإحضار أثر من ثياب زوجها، غير طاهر ولا منظف، ثم يأخذ خيوطًا منه، فيعقدها وينفث بها، ثم تدفنه في مكان مهجور، أو يقرأ ما يأمره به شيطانه من أقوال مُعجَمة تتضمن شركًا بالله، يقرأها على ماء نجس، أو على قطرات من دم ونحوه، ثم تخلطه المرأة بما يَطْعمه زوجها أو يشربه، فيصير الزوج عندها كخاتم في إصبعها لا يعصي لها أمرًا ولا يردّ لها طلبًا، وهو مبالغ في غَيْرته عليها، مُفرِط في جماعها، غير صابر على فراقها ولو للحظات، وبئسما صنعت تلك المرأة، ولو أنها عمدت إلى التحبب إلى زوجها فكانت عَرُوبًا تكثر التزين له، وتريه جميل فعالها، لوجدت - بإذن [ص 130] الله - تعلّقًا منه متزنًا عاقلاً حكيمًا، يُؤثِر فيه محبتها، ويُحسن به عشرتها.
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (1) .
وهنا مسألة: قد يُشكِل التعارض - فيما يظهر - بين قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرُّقى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» ، وبين «ترخيصه عليه الصلاة والسلام في الرقية من العين، والحُمَةِ، والنَّمْلة» (2) ، والجواب: أن الرقى المنهي عنها هي التي فيها شرك أو استغاثة بغير الله تعالى، أو ألفاظ جُهِل معناها، لاحتمال تضمنها كفرًا، وقد دل الحديث على جواز الرقى عامة إلا ما حوى شركًا منها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ، اعْرُضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (3) .
3- سحر التخييل، وقد سبق بيانه، وأنه على ضربين؛ إما بالتأثير في القوى المتخيِّلة للرائي وهي التي تكون في نفسه، أي: بالتأثير المعنوي والإيحاء لهذه القوى بصور يريدها الساحر، أو بالتأثير في قوة الإبصار المحسوسة بالاعتماد على أخطاء البصر بصرفه إلى مُبصَر معين حتى إذا حدّق فيه انصرف عن غيره، أو بإمهال البصر زمنًا غير كاف فيُشكِل عليه [ص 131] المُبصَر، ونحو ذلك مما يعمد إليه المشعوذ الحاذق، ولسحر التخييل طريق آخر - هو الأخطر - حيث يقوم الساحر فيه بإحضار شيء يعرفه الناس ثم يتمتم بعزيمته الشركية وطلسماته الكفرية، حتى يعينه شيطانه فيُري الناسَ الشيء على غير حقيقته، وقد يدخل هذا النوع في سحر التفريق، حيث يري الشيطانُ الرجلَ امرأتَه الجميلة قبيحة المنظر، وفي سحر المحبة يريه عكس ذلك، فيحببه بها. وهذا ليس من الشعوذة بل هو سحر على الحقيقة بالاستعانة بالشياطين.
قال تعالى: [الأعرَاف: 116] {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} . وقال تعالى: [طه: 66] {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} .
4- سحر الجنون: ومن أعراضه الشرود والذهول والنسيان الشديد، والتخبّط في الكلام ومنها شخوص البصر - جموده - وزوغانه، مع عدم القدرة على الاستقرار في مكان واحد، أو الاستمرار بعمل معين، وعدم الاهتمام بالمظهر، وفي الحالات الشديدة ينطلق على وجهه لا يلوي على شيء، وربما نام في الأماكن المهجورة.
ويكون هذا النوع بتسليط الساحر جنًا موكلاً بالسحر، فيؤثر في قدرة المسحور الفكرية وبخاصة القدرة على التذكر، والتركيز في عمل الأمور ونحو ذلك.
عن خارجةَ بن الصَّلْت، عن عمّه، أنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم أقبل راجعًا من عنده، فمرّ على قوم عندَهم مجنون مُوثق بالحديد، فقال أهله: إنا حُدِّثْنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير، فهل عندكم شيء تداوونه به؟ فرقيتُه بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه، فقال: «هل إلا هذا؟» أو قال: «هل قلتَ إلا هذا؟» ، قلتُ: لا، قال: «خذها، [ص 132] فلَعَمْري لَمَن أكل برقيةِ باطلٍ، لقد أكلتَ برقيةِ حقٍّ» . وفي رواية: (فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام، غُدْوةً وعشيةً، كلما ختمها جمع بُزَاقه، ثم تفل) (1) .
5- سحر الخُمول: ومن أعراضه الميل إلى العزلة والانطواء الكامل، والصمت المستديم، والشرود الذهني، وكثرة الصداع، والهدوء والسكون والخمول الدائم. ويحصل هذا النوع بالتسليط أيضًا، فيرسل الساحر الجني إلى الشخص المراد سحره، ويأمره بأن يتسبب بهذا الأذى له.
6- سحر الهواتف: ومن أعراضه رؤية أحلام مفزعة، وكأن مناديًا يناديه، وقد يسمع أصواتًا تخاطبه يقظةً، لكنه لا يرى أشخاصًا، وهو يعاني كثرة الوسوسة، والشك في أصدقائه وأحبابه، وقد يرى في منامه كأنه سيسقط من عَلٍ، أو يرى حيوانات تطارده في المنام. ويكون هذا النوع بإرسال الساحر جنيًا، ويكلفه إشغال هذا الشخص يقظة ومنامًا، وقد يصل بالمسحور الأمر إلى الجنون، وقد يقتصر الأمر على المعاناة من الوسوسة.
7- سحر المرض، أو الإمراض: ومن أعراضه حدوث ألم مستمر في عضو من أعضاء الجسد، أو حصول نوبات صرع (تشنجات عصبية) ، أو شلل في عضو من الأعضاء، أو حتى شلل كلي للجسد، أو قد تتعطل إحدى الحواس عن العمل. ويكون هذا السحر بإرسال الساحر جنيًا إلى مراكز الحواس في مخ المسحور فيعبث بها حتى يمنع عملها أو يؤثر فيها.
8- سحر النزيف، وهو سحر يتسبّب فيه الساحر، بتسليطه لشيطان على امرأة يريد سِحرها، ويكلفه بالتسبب في إنزال الدم من رحمها باستمرار، [ص 133] متعديًا في ذلك زمن تحيّضها المعتاد، فإذا وصل الجني إلى عِرْق معروف في الرحم، ركضَهُ ركضةً فسال العِرْق دمًا، فتعاني تلك المرأة معاناة الحائض من النساء بسبب تلك الجِرْية الشيطانية، وقد يستمر النزيف أشهرًا، وقد يكون مقدار الدم قليلاً أو كثيرًا.
هذا، ومما يجدر ذكره هنا أن ركضة الشيطان هذه قد تحصل من غير تسليط ساحر بذلك، ويكون ذلك ابتداءً وتلاعبًا من الشيطان من أجل أن يمنع تلك المرأة عن إتمام عباداتها - من صلاة وطواف وصيام وتلاوة ومكث في مسجد - فإذا جرى الشيطان بقوة عند عرق في الرحم تسبب باستمرار تدفق الدم مهراقًا متعديًا زمن الحيضة المعتاد، فتظن المرأة أن حيضها مستمر، فتمتنع عما ذكرناه، لكن الشرع المطهر - كما هو مقرر في كتب الفروع - قد اعتبر ذلك استحاضة (1) لا تحجز المرأة عن إتمام عباداتها، وقد جرى مثل ذلك لبعض الصحابيات رضي الله عنهن، منهن: أم حبيبة حَمْنة بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وهي أخت زينب أم المؤمنين رضي الله عنها، ومنهن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها، وكذا سهلة بنت سهيل رضي الله عنها. فلما أن استفتت كلٌّ منهن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، بيّن لهن عليه الصلاة والسلام بأن الأمر لا يعدو أن يكون داءً عَرَض للمرأة، فهي تُستحاض، أو هو عِرْق انقطع، بسبب ركضة من ركضات الشيطان فيه، كما في حديث: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي … » (2) . فإن الشيطان - كما في الصحيح -: «يَجْرِي مِنِ ابْنِ [ص 134] آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» (1) ، وهذه الركضة قد تكون بتسليط ساحر لشيطان على تلك المرأة، فإن كان ذلك فهو ما يعبّر عنه بـ (سحر النزيف) فتُرقى المرأة بالمشروع، فتشفى بإذن الله، وإلا فهو داء استحاضةٍ عضوي يمكن علاجه عند أهل الطب. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لمن شكت مثل ذلك طُرقًا للقيام بالعبادة فعلى أيهما قويت المرأة، فهي أعلم بحالها، وهذه الطّرُق ثلاثةٌ مستفادة من أحاديثَ صِحاحٍ، وهي كالآتي:
أ - … أن تغتسل لكل صلاة، بعد انقضاء مثل أيام حيضها، حتى تحيض فترى دم الحيض الذي يَعْرِف (له رائحته المميزة) ، ويُعْرَف (تعرفه النساء) .
ب- … إنْ شقَّ عليها ذلك، فإنها تغتسل لصلاة الفجر، وتؤخر الظهر، وتقدم العصر، وتغتسل لأداء الصلاتين، كذلك تفعل للمغرب والعشاء، فتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصلي الصلاتين.
جـ- … فإن وجدت حرجًا في ذلك أيضًا، فإنها تغتسل إذا انقضت مثل أيام حيضها (ستة أو سبعة أيام) ، ثم تتوضأ بعدُ لكل صلاة، ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزئها، ولو استمر تدفق الدم، وكان لونه مختلفًا عن دم الحيض، ليس بأسود مثله، وذلك الحكم غاية في التيسير عليها.
[ص 135] وقد استحب النبيُّ صلى الله عليه وسلم للمرأة المستحاضة أن تفعل الأمر الأول إنْ هي قَوِيت عليه، وقد فعلت ذلك حمنة رضي الله عنها، كما سيأتي من قول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
وهاك أخي القارئ أدلة من السنة المطهرة دالَّة بمجموعها على ما أسلفت بيانه:
- … سألت أم حبيبة حَمْنَةُ بنت جحش رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الدم؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سُبْحَانَ اللهِ!، إِنَّ هَذا مِنَ الشَّيْطَانِ» (1) «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ» (2) . «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (3) ، قالت عائشة رضي الله عنها: فكانت تغتسل لكل صلاة (4) .
- … وكانت سهلة بنت سهيل رضي الله عنها قد استُحيضت، فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، «فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ» (5) .
[ص 136] - … وقالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إني لا أطهُر، أَفَأَدع الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا [قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها] ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» (1) . زاد هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله قولَه صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» (2) .
هذا، ومحلّ تفصيل أحكام ذلك كتب الفروع، إلا أني أردت بيانه لشرف تعلُّقه بأعظم العبادات البدنية، ركنِ الدين: (الصلاة) .
9- سحر تعطيل الزواج، ومن أعراضه صداع بين الحين والآخر، وضيق شديد في الصدر، ورؤية كل خاطب بمنظر قبيح، مع كثرة الشرود الذهني، والقلق في أثناء النوم، وقد يصاحب ذلك ألم دائم في المعدة أو في فقرات الظهر، وسبيله أن يوكل الساحر جنيًا بحجز فتاة عن الزواج، فيلازمها، فيؤثر فيها بحيث تنفر من كل زوج يتقدم لخطبتها، أو يلقي في القوة المتخيِّلة عند الخاطب صورة قبيحة لتلك الفتاة فلا يرغب بخطبتها، وقد يخيل ذلك للفتاة أيضًا فترى كل خاطب لها بصورة قبيحة. ولو فرض أن تقدم لها خاطب فإنه سرعان ما يتراجع عن ذلك بفعل وسوسة ذلك الجني له. وفي حالات سحر التعطيل تجد الرجل الخاطب يشعر بضيق شديد إذا ما تخطى عتبة دار المخطوبة، وكأنه في سجن يتطلع بشوق للخروج منه.
[ص 137] هذا، وقد أوردت هذا التقسيم النافع لآثار السحر، قاصدًا بذلك التعريف بأن هذه الأنواع التسعة تدخل جميعها في مرتبة السحر الحقيقي، حتى إن سحر التخييل - وهو النوع الثالث منها - يدخل من وجهٍ بالسحر حقيقةً من أجل أن الساحر قد يوكّل جنيًا بأن يُرِيَ الزوجة قبيحة في نظر الزوج أو العكس، حتى يبغض كلٌّ منهما زوجَه، وقد يؤدي ذلك إلى التفريق بينهما، والعياذ بالله.
مسألة مهمة: كيف يقوم السحرة بأعمالهم تلك، فيؤثرون بها على المسحور؟
إن أهمية بيان هذه المسألة تكمن في ضرورة تبصير المسلم المعاصر بهذه الطرق، ليشتد حذره منها، فلا يدع للسحرة مسلكًا إليه، وهذا من باب الأخذ بالأسباب، فإن «الْمُؤْمِنَ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ» (1) .
هذا، وإن للسحرة العشرات من الوسائل يعمدون إليها، بقصد التأثير بسحرهم، من ذلك (2) :
1- … دفن أعمالهم في تراب مقبرة.
2- … دفن العمل السحري فيما اتصل بالدار من حديقة ونحوها.
3- … كتابة السحر في كاغد - جلد ميتةٍ -، وجعلُه في قبضة الساحر، وهو لا يغلقها تمامًا، ثم يشير بها إلى ناحية من أراد سحره، من جهةٍ لا يراه المسحور منها.
[ص 138] 4- … كتابة ما يريد من سحر في شقف طاجنٍ قديم، ثم يدقُّه ناعمًا، ويتكلم عليه بما يريده، ثم يذرّه بين اثنين ليفترقا.
5- … رشُّ الماء الذي مُحي به أثرُ الكتابة السحرية عند عتبة الدار، المراد سحر أهلها.
6- … إعطاء المراد سحره ما يكتحل به، وهو - في حقيقته - مما جفف من عيون بعض الحيوان كالقنفذ والبومة ونحوهما، وقد تمتم عليها الساحر بما أراد.
7- … طلب الساحر من المراد سحره شيئًا من أثره، كشعر، أو قطعة من ثوبه، ثم يجعل ذلك في حجاب يعلقه المسحور، فلا يفارقه أثر ذلك ما دام مُعلِّقًا الحجاب، والحجاب يحوي - غالبًا - أوفاقًا، وخواتم، ودوائر شركية، ونحوه.
8- … تمتمة الساحر، في مجلسٍ ما، بتعاويذَ سحرية، ثم الإشارة بيده إلى المراد سحره.
9- … إعطاء الساحر المراد سحره ما يأكله أو يشربه، والحال أنه قد قرأ عليه طلاسمه، وبخّره ببخور عنده في ساعة يعرفها مناسبة لعمله.
10- … جعل سحره في صُرَّةٍ من ثوب المسحور، ثم تعليقها في مهب ريح، أو على غصن شجرة، أو على نعل فرس معلقة على باب، ليؤثر بسحره ذلك كلما هبت الريح، أو اهتز الغصن، أو كلما فتح الباب.
11- … صنع شعباذ (صورة للمسحور على شكل صنم) ، وغرز أبرٍ فيه، وجعله في أسفل بئر مثلاً، أو مدفونًا في تراب، ونحوه.
هذا، وطرقهم في ذلك تبلغ المئات، ليس القصد هنا إحصاءها، إنما التحذير الشديد من التسهل في قصد هؤلاء الدجاجلة، أو السماح لهم بأخذ شيء من الأثر، أو أخذ حجاب وتعليقه دون النظر إلى ما فيه، والتنبُّه عند أخذ مأكول أو مشروب أو كحل، والحذر ممن يشير بقبضته في مجلس إلى [ص 139] جهة ما، وضرورة العمد إلى إزالة كل أثر لمرشوش في مكان يتخطاه أهل البيت، كعتبة الدار مثلاً، أو عند باب السيارة، ونحو ذلك. فالحذر الحذر من التهاون في ذلك، فإن المؤمن حصيف متفرِّسٌ ينظر بنور الله تعالى.
وهاك أخي القارئ طرقًا - بإجمال - تبطل هذه الأسحار بما يناسب المقام، وسيأتي تفصيل لها عند بيان طرق إبطال السحر (1) :
1- … الحجامة، وهي من أنفع ما يستخرج به عمل السحر من بدن المسحور.
2- … إزالة المرشوش على الأرض بماءٍ طَهور.
3- … إتلاف عمل السحر - إن عثر عليه مدفونًا أو معلقًا ونحوه - إتلافه: بتمزيقه، أو حرقه، أو رميه في ماءٍ جارٍ طهورٍ، أو إتلاف عُقَدٍ بعد القراءة عليها.
5- … قراءة سورة البقرة - بتمامها - إذا شك أهل الدار بوجود أثر للسحر في دارهم.
6- … إخراج كل ما يمنع دخول الملائكة عليهم السلام الدار، من مثل شُخوص منحوتة، أو كلب، أو صور مُنَفَّرة، أو صورٍ لعوراتٍ، ونحو ذلك.
7- … فتح كل حجاب قبل تعليقه - علمًا أن مطلق تعليق التمائم والحجب لا يشرع، إلا عند بعض أهل العلم بضوابط ذكروها (2) -، فكل حجاب حوى أوفاقًا - رقمية أو حرفية -، أو طلاسم، أو دوائر، أو مثلثات، أو أسهمًا، أو خواتم، أو أسماء سريانية، أو رسم شعباذ، أو الأشكال السبعة التي يدعي السحرة أنها الاسم الأعظم (3) ، أو آيات كتبت معكوسة الترتيب، أو كتبت مختلطة بطلاسم، أو كتبت مقطعة الحروف، أو أُنقص منها بما يغيّر [ص 140] معناها، والعياذ بالله، أو حوت أسماء الكواكب السبعة السيارة (1) ، [ص 141] أو أسماء سبعة للقمر (1) ، وغير ذلك، فإن الواجب الحذر البالغ من التهاون في تعليقها، فهي مظنة الأعمال السحرية، أعاذنا الله والمسلمين والمسلمات من شر ذلك.
رابعًا: قسما السحر، من حيث الحكمُ الشرعي (2) .
[السحر - من هذه الحيثية قسمان -:
أ- شرك، وهو ما يكون سحرًا حقيقة بعُقد ورقى، وقراءات وطلاسم، يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين، أو عبادة كواكب ونحو ذلك.
ب- فسق وعدوان، وهو الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها، مما يؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله.
وتأسيسًا على ذلك، فإن من كان سحره بواسطة الشياطين، فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك له إلا بالشرك غالبًا، ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوها، فإنه لا يكفر، ولكن يعتبر عاصيًا معتديًا] (3) .
***
[ص 142] الباب الثاني: بيان علاقة السحر بما يسمى علومًا روحانية
المبحث الأول: التعريف ببعض هذه العلوم، وبيان تعلُّقِها بالسحر.
إن مما تقرر، وصار مسلّمًا فيه - بما تضافرت عليه نصوص الشريعة، وما بات إجماعًا بين أهل الإنصاف من علماء التجريب ورواد الفكر قديمًا وحديثًا - أن دين الإسلام دعا في أصول تعاليمه إلى إعمال العقل والتدبر طريقًا أمثل للتوصل إلى حقائق هذا الكون، ومن ثم التسليم بحقائق الإيمان، والدعوة إليه. فالعلم نتاج المنطق والحجة والبرهان، ولا يمكن لمؤمن التسليم لتخرّصٍ في نظرية، أو لاحتمالٍ في فرض علمي، إلا بعد تمحيص ذلك مرارًا، وعرضها على مُسلَّمات العقل والواقع تكرارًا، لتصير بعدها (معلومة) يمكن الوثوق بها، والتسليم لها. والعلم بهذا المعنى إما أن يكون محسوسًا تجريبيًا، أو غيبًا إيمانيًا؛ أما الأول فطريقه أهل العلوم التطبيقية، وقد دعا الإسلام إلى توقير هؤلاء والأخذ بيدهم ليكونوا سببًا لبيان الحجة على ما أشارت إليه النصوص الشرعية لحقائق كونية كبرى، بثها الله سبحانه في نفس الإنسان وفيما حوله من خلق الله، وقد ظهرت آثار هذا العلم جلية فيما اشتهر في عصرنا بالإعجاز العلمي في القرآن والسنَّة، بما أبهر عقول المناوئين للإسلام قبل الموالين له. وأما الثاني وهو العلم الغيبي الإيماني، فطريقة الأوحد: الوحي من الله تعالى، بالسماع من رسله عليهم السلام، ولا سبيل إلى معرفة شيء من هذه المغيبات عنا إلا بذلك، لكن - في الوقت عينه - كان للتوثق من وصول هذا العلم إلينا قواعد قررها علماء الإسلام، وهو ما اشتهر بعلم الإسناد، فالقرآن العظيم وصل إلينا متواترًا تكفّل الله سبحانه بحفظه، أما السنة المطهرة فقد قيّض الله لها رجالاً جهابذة نَفَوا عنها ما ليس منها، ومحّصوا أسانيد وصولها إلينا، فمنها متواتر ومنها [ص 143] آحاد، حتى إنهم حكموا - بتصنيف لم يوجد مثله في أمة - بصحة أو حسن أو ضعف، بما عرف في علم مصطلح الحديث عند أهله.
والقصد من إيراد ما تقدم إظهار أن وصف (علوم) ، لا ينطبق على المسماة علومًا روحانية ألبتة؛ فهي لا ينطبق عليها أسس التجريب العلمي ولا السماع الصحيح، ولن يعدو قدرُها أن تكون تخرّصات ورجمًا بالغيب ارتضاه أهله من شياطين الإنس والجن، واستبدلوا ذلك بالعلم اليقين، وبالوحي الصادق المبين. وعلى ذلك فإني سأقتصر على إيراد بعض منها، علمًا أنها قد تفوق المئة!! وذلك من باب تبيين علاقتها الوطيدة بأنواع السحر، وتقرير افتراء أهلها على دين الله تعالى، مع التحذير من سلوك مسلكهم أو تصديق شيء مما عندهم، أو حتى تصفح شيء من كتبهم، فإن الله تعالى قد أبدل المؤمنين ما يجعلهم في غُنية عن مثل ذلك: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وإليك أخي القارئ بيان بعض من ذلك من خزائن أهله المكنونة - بزعمهم - بيد أنها في واقعها مشرعة الأبواب على أرصفة الشوارع ينادي عليها كل ناعق، متوسلاً إلى كل غاد أو رائح أن يقتنيها!! وهذه المسماة - زورًا - كتب العلوم الروحانية لا تعدو كونها أحد نوعين؛ الأول: كتب تدل قارئها على معرفة كتابة حروز وأحجبة قد حوت صنوفًا من الاستغاثات الشركية، أو الطلّسمات المبهمة الخفية، أو الأشكال والجداول المحتوية أرقامًا وحروفًا، وهي محاطة بأسماء ملائكة تارة، وبأسماء شياطين أخرى، أو هي أحجبة حوت دوائر حوت - بزعمهم - اسم الله الأعظم، وقد وضع فيها مزيجًا عجيبًا من أرقام وحروف - عربية وسريانية - وأسماء لله تعالى، وأسماء لملائكة، وأسماء لشياطين، وآيات قرآنية، ودعوات شركية، بما يجعل المرء يدهش لجرأة هؤلاء القوم على محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولعل ما [ص 144] يدعو لمزيد من العجب وضع أقوام مثل هذه الأحجبة على صدورهم أو صدور أولادهم مدّعين أن فيها حفظًا تامًا، وحرزًا عامًا، وحجابًا نافعًا مانعًا لكل ضر قد ينزل بهم!!
أما النوع الثاني من هذه الكتب الرخيصة ثمنًا ومحتوى، فإنها تدل قارئها على معرفة كيفية ممارسة السحر بطرق شتى منها: التنجيم، ومنها الدعوات الشركية، والاستنزالات العلوية - أي لأرواح ملائكة - والاستحضارات السفلية - أي لأرواح شياطين -، ومنها تعلم كتابة الطلاسم وفكها، ومنها ما يعرّف القارئ بعلوم الرمل والكيمياء وما يسمونه مجرّبات، وفتح مندل، وقرعةٍ، وإرسال جنٍّ، وإخراجه، وتعلم الرصد وحله!! وإنك لتجد في ثنايا هذه المصنفات دواء لكل داء، بما تعجز عنه جهابذة الأطباء الحذاق، حتى لو حازوا الزمالات العلمية من كافة أنحاء المعمورة!! وغير ذلك الكثير مما تفنى فيه أعمار طوال، وينشغل فيه الفكر والبال، وهو برمّته مدعاة إلى الهلاك والوبال، وها أنا ذا أشرع بذكر ما يلزم المسلمَ المعاصر معرفتُه، مما حوته هذه الكتب مما سمَّوه علومًا روحانية، ليكون - إن شاء الله - على بيِّنة من أمر هؤلاء، فيحذرهم ويحذِّر منهم، ويبرأ إلى الله تعالى منهم ومن فعالهم، والله المستعان.
1- الأوفاق (1) : جمع وَفْقٍ، وهو عبارة عن مربع تنقسم أضلاعه
[ص 145] بخطوط مستقيمة يحصل من تقاطيعها مربعات صغار متساوية الطول والعرض، عدتها كعدة ما يخرج من ضرب أقسام أحد الأضلاع في مثله، ثم ينزل في تلك المربعات أعدادًا متوالية تنزيلاً مخصوصًا، بحيث يصير ما يجمع في كل صف من الصفوف؛ طوله وعرضه وقطرَيْه مساويًا بعضه لبعض في الحساب ويكون العدد في كل منها خاليًا عن التكرار، والخطوط مستقيمة والبيوت - أي المربعات الصغيرة - متساوية، والأعداد على نظام واحد: الآحاد تحت الآحاد، والعشرات تحت العشرات، وهكذا. ولتخطيط الوفق صفة عند أهله، فإنْ بدأ برسم خطوطه من أعلى اليمين فقد قصد به الخير من تحبيب وجلب رزق ونحوه، وإنْ بدأ برسم خطوطه من أسفل الشمال، فهو لعمل الشر من تفريق وتعسير ونحوه، والعياذ بالله من جميع ذلك. ويشترط فيه كذلك أنه لو زيد على مفتاح الوفق - وهو أول عدد فيه - لو زيد واحدًا مثلاً للزم زيادة واحد أيضًا في جميع مربعاته، ولو زيد اثنان زيد كذلك في جميع مربعاته.
والأوفاق قد تكون مثلثة، أي عدد المربعات فيها طولاً وعرضًا وقطرًا ثلاثة. هكذا،
وقد تكون مربعة أي عدد مربعات الوفق في جميع الاتجاهات أربعة هكذا
وهكذا تتعدد الأوفاق بتعداد مربعاتها فتسمى وفقًا مثلثًا، مربعًا، مخمسًا … إلخ. وهم يختارون لهذه الأوفاق حروفًا وجُمَلاً، ثم يدخلون [ص 146] أعداد هذه الحروف والجمل بحسب طريقة الجُمَّل (1) واختيار هذه الحروف والجمل، وكتابة ما يوافقها في طريقة أبجد أو حساب الجُمّل، يكون بحسب ما يريده كاتب الوفق من عمل والعياذ بالله تعالى. هذا، ويشترط هؤلاء - فضلاً عن صحة كتابة الوفق بالشكل الذي ذكر - شروطًا منها: أن يُدخَّن حال الكتابة بتدخين مناسب للعمل من البخور، ولن نلج هذا الباب من معرفة ما يناسب كل عمل من تدخينات، لكن نذكر من التدخينات إجمالاً: لِبان ذكر جاوي، زعفران، مستكي، حلتيت، كُنْدُر، عوسج، زرنيخ، كافور، إلى آخر الدُّخن التي تناسب العمل المراد، بحسب الزمن (الليلة) التي كتب فيها الوفق، وحال الكوكب السيار من الكواكب السبعة التي يقدسونها.
هذا، أخي القارئ، ما تَحْسُن معرفتُه من قبح عمل هؤلاء القوم، الذين
[ص 147] اتخذوا أرقامًا وحروفًا وكواكب أربابًا من دون الله، فضَلُّوا وأَضَلُّوا.
وخلاصة القول أن كتابة الأوفاق بالحروف أو بالأرقام التي تناسبها، بقصد التأثير بها على شخص بعينه، والاعتقاد بتأثيرها، إنما هو ضرب من ضروب السحر الحقيقي، وبخاصة إذا عرفت أنهم يزيدون حولها توكيلاً لجانّ أو لملك قاهر، يدّعون أنهم خُدّام لهذه الحروف ولتلك الأعداد!!
2- الطوالق (1) السليمانية؛ إن كثيرًا من الحروز والأحجبة الشركية تحفل بذكر هذه الطوالق،: والمقصود بهم، اثنا عشر رجلاً من رجال الجن، يزعم المعتقدون بهم أنهم ممن دخل على سيِّدنا سليمانَ رسولِ الله عليه السلام، وقد سيطر بهم - بزعم هؤلاء - على جميع قبائل الجن، ويقصّون في ذلك عجبًا من أن كل طَوْلق من هؤلاء لما دخل حاوره سليمان النبيُّ عليه السلام طالبًا اسمه وفِعاله ومسكنه، فأعلمه ذلك الجنيُّ بعظيم قدرته على التأثير بأبناء آدم، فاستفسر النبيُّ سليمان عليه السلام عن دواء ذلك، فدلّه الطولق على أمور منها: أدوية يدهن بها، وأحجبة تعلق على الصدور، وتعاويذ حوت طلسمات واستغاثات شركية، كتبت مجاورة لآيات قرآنية وأدعية نبوية!! مع معرفة هؤلاء الطوالق الاثني عشر بطالع الشخص (2) الذي لهم سيطرة عليه، فمنهم - مثلاً - الطولق صفصف بن مروان الذي يؤثر بمن كان طالعه الأسد والشمس، ودقعش ذاك الذي يؤثر بمن طالعه السنبلة وعطارد، هكذا وكأن هؤلاء الطوالق موكلين بخلق الله، ولا نجاة لهذا الخلق إلا بتعلم ما تعلمه سليمان عليه السلام بزعمهم - من هؤلاء، فاعجبْ لمن يصنع حجابًا حوى مثل ذلك، وازدد في العجب لمن يقصده أو يصدقه أو يعلق ذلك [ص 148] الحجاب. وللمعرفة وحسب سأسرد أسماء هذه الطوالق المزعومة، علمًا أن كتبًا كاملة ألفت في شرح هذه القصة الخرافة المدسوسة على تأريخ بني إسرائيل، ومن ثم نُحِلت زورًا وبهتانًا على نبي الله سليمان عليه السلام. ثم إن أصحاب هذه الكتب يَدْعون - بكل صفاقةٍ - أمَّةَ خاتم النبيِّين صلى الله عليه وسلم لتعتقد بها وتدعَ ما سواها!!
أما الطوالق فهم بالترتيب الذي دخلوا فيه على سليمان عليه السلام كما زعموا - كالآتي:
1- زوبعة. 2- ميمون. 3- جابر بن مروان. 4- ميمون بن زكية. 5- صفصف بن مروان (ويبدو أنه أخ شقيق لجابر!) . 6- دقعش. 7- زوبعة ابن مروان. (كذلك هو أخ لمن سبقاه على ما يظهر!) . 8- سهورا. 9- أبو البِشْر. 10- مكيل. 11- منذر. 12- شمت.
أخي القارئ؛ لا ريب أنك قد استشفّيت مما سبق أن كتبة الحروز والأحجبة المحتوية لاستغاثات شركية بهؤلاء الطوالق، مع الاعتقاد بروحانية ما دلوا عليه من طوالع الكواكب، قد عملوا سحرًا حقيقيًا، حيث تتوكل شياطين الجن بإعمال ذلك وإيقاعه، أعاذنا الله والمسلمين من شر ذلك.
3- الدوائر الشركية: وهي مما تحويه عامّةُ الأحجبة (السحرية) أيضًا؛ وتلك الدوائر منها ما يسمونه الدائرة العظمى، وهي دائرة كتب عند محيطها آية الكرسي إلا أنهم حذفوا من أولها اسم الله تعالى، وادعوا أن ذلك - أي آية الكرسي من غير ذكر اسم الله في أولها - هي الاسم الأعظم!!، ومنها ما قُطّع مساحات كتب في وسطها آية قرآنية ومن حولها حروف كتبت بلغات غير عربية، مما يحوي شركًا غالبًا، ومنها دائرة جعل في وسطها اسمُ حامل الحجاب، ومن حولها أشكال يزعم هؤلاء أنها كانت منقوشة على خاتم نبيِّ الله سليمان عليه السلام، وهي أشكال أو خواتم سبعة، سيأتي رسمها قريبًا، [ص 149] والحاصل أن تلك الدوائر مما يكاد لا يحصى محتواه (1) ، لذا فإن كل حجاب حوى دوائر فيها حروفًا وأعدادًا، وآيات قرآنية - وبخاصة آية الكرسي - قد كتبت معكوسة أو مزجت كلماتها بما هو من غيرها أو أدغمت فيها أسماء لله تعالى بأسماء لا يُعلَم معناها، أو حوت أشكالاً لا يُدرك المراد منها كنجوم وخطوط، فإن ذلك جميعه علامات دالة على أن هذا الحجاب شركي، قصد به أذى حامله، واسترضاء كاتبه لشيطانه، بإشاعته الشرك بين العباد، وصرفهم عن الاستغاثة برب العباد.
4- الأشكال السبعة (2) ، ولا يكاد يخلو حجاب أو أي عمل سحري منها وهي المسماة عندهم - الخواتم السبعة، أو الأحرف السبعة يجعلونها في أوفاق أو دوائر، وهي حروف ذكر أن عليًا رضي الله عنه وجدها على صخرة منقوشة فأخبر أنها اسم الله الأعظم، وفسّرها بهذه الأبيات - وهي قصيدة أبياتها ستون - جاء فيها:
ثلاثُ عِصِيٍّ صُفِّفَتْ بعد خاتِم …
على رأسها مثلَ السِّنان المقوَّم
وميمٌ طميسٌ أبترُ، ثم سُلَّمٌ …
إلى كل مأمول وليس بسُلّم
وأربعةٌ شِبْه الأنامل صُفِّفت …
تشير إلى الخيرات من غير معصَمِ
[ص 150] وهاءٌ شقيقٌ ثم واوٌ مقوّسٌ …
كأنبوب حجّامٍ وليس بمِحْجَم
فهذا هو الاسم المعظّم قدرُه …
فإن كنت لم تعلمه من قبل فاعلمِ
وقد رسمها أهلها هكذا:.... ........ فإذا ما رأيتَها في حجاب أو نُقِشت على أسورةٍ، أو كانت في وَفْقٍ أو دائرة أو مثلث، فاعلم - رحمك الله - أن هذا من عمل السحرة، ذلك أن هذه الأشكال لا يُدرى معناها يقينًا، وقد تكون عزيمة شركية أو توكيلاً شيطانيًا، أو طلسمات شركية تكتب في الأحجبة السحرية، فالحِذْر الحِذْر من اعتقاد كونها اسم الله الأعظم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
5- الطِّلَّسْمات؛ وهي كذلك من أشهر ما تحويه الأحجبة، ويكاد لا يخلو حجاب منها، وهي - كما سبق - خطوط مجهولة المعاني، وكلام معجم لا يُدرى تفسيره [وقيل معنى الطلسم: عَقْد لا ينحلّ، وقيل: هو مقلوب اسمه، أي: مسلط، لأنه من جواهر القهر والتسلط] (1) ، والذي يعنينا من ذكر الطلسم هنا أن تلك المصنفات المشبوهة قد حوت فيما حوته على رسوم لطلاسم، ترسمها، وتحث على كتابتها، لأعمال هي غاية في الضرر، ثم يدعي مصنفوها بعد ذلك أنهم إنما دلوا على ذلك من أجل أن يكتب هذا الحجاب لمُستحِقِّه، وينزِّهون أنفسهم عن قصد الظلم ويَدْعون الله - بعد تعليمها والحث على كتابتها - أن يرزقهم النجاح والفلاح!! والحاصل أن هذه الخطوط ليس مستحيلاً فك قراءتها، حيث إنها تكتب بحروف أقلام تسمى روحانية (2) ، [ص 152] تكون معروفة عند أهلها؛ فهي طلاسم لمن لا يعرف هذه الأقلام وهي حروف لها أشكال محددة، تقابل الحروف العربية؛ يتألف منها كلام يقرؤه أهله كما يقرأ أحدنا حروف لغة يعرفها، وكلما ازداد الساحر معرفة برموز الأقلام الروحانية كان عندها أقدر على كتابة أعمال سحرية مطلسمة، كما أنه يكون متمرسًا في فك عبارات تلك الطلسمات.
6- ما يدّعون أنه الاسم الأعظم: تحوي بعض الحروز على ألفاظ أو أشكال رمزية ادعى أهل الأسرار المخفية أنها اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ثم هم قد اختلفوا في تحديده على ثلاثة مدَّعَيَات، وذلك تبعًا لطرائقهم العجيبة في استخراجه، وخلاصة ذلك عندهم أن الاسم الأعظم قد يكون هو: أَهَمْ كَسَقْ حَلَعْ يَصْ!!! (1) أو أَهْيَا شَرَاهْيَا أَدُونَايْ أَصْبَاوُتْ آلْ شْدَايْ!! أو هو المرموز إليه بالأشكال السبعة السابقة (2) . ولنر ما تأويل هذه الألفاظ المشكلة عندهم:
- أما (أهم كسق حلعْ يص) فهي أحد عشر حرفًا؛ فالألف منها ترمز لاسم الله، والهاء: لاسم الهادي، والميم: لاسم المالك، والكاف: لاسم الكافي، والسين: لاسم السلام، والقاف: لاسم القهار، والحاء: لاسم الحليم، واللام: لاسم اللطيف، والعين: لاسم العليم، والياء: لاسم [يمين [ص 153] اليمين] (1) ، والصاد: لاسم الصمد.
- وأما: أهيا شراهيا أدوناي أصباوت آل شداي، فهي ألفاظ بالعبرانية، أبقوها كذلك لئلا يعرفها أحد!! وقيل معناها: يا قديم يا دائم يا أحد يا واحد يا صمد. لكنهم فيما يكتبون من دوائر في أحجبتهم يُصِرُّون على إثباتها بالعبرانية، ثم هم يُتبِعونها بلفظ استحضار الجن وتسخيرهم بقولهم: الوَحَا الوَحَا، العَجَل العَجَل، الساعةَ الساعة.
كما يكتبون حولها آيات قرآنية، متبعةً بنص استحضارٍ واضح لخُدّام الأسماء الحسنى، وإقسام عليهم بالإجابة، فهل يكون بعد الاستعانة الصريحة بالجن مكان للطلب باسم الله الأعظم!! (2)
- وأما الرموز في الأشكال السبعة - وقد سبق رسم لها - التي يزعم زاعمهم أنها نقشت على خاتم سليمان عليه السلام، بل هي منقوشة عند باب الكعبة (3) ، والواقع يكذب زعمهم، وشرح هذه الأشكال عندهم: [أن الله تعالى يقول: أنا الله الواحد الأحد الملك الحي، أنا الله يسبح لي الظلال والفي، أنا الله الصانع لا يدركني الفي، أنا الله الذي ليس كمثله شي، أنا السميع البصير خالق كل حي] (4) .
ولنا هنا أسئلة بدهية متعلقة بتفسيرهم لهذه الأشكال؛ من ذلك: كيف استدل هؤلاء من هذه الأشكال على هذه العبارات؟! وما الفرق بين الظلال والفي؟ أليس من الأَوْلى أن تكون: الحَرور والفي؟ ثم ما معنى: لا يدركني الفي، وصفةُ مَنْ هذه؟! وكيف يكون الخلق للأحياء، ماداموا أحياءً؟! - والخلق كما تقرر هو إيجادٌ [ص 154] من عدم - ثم هل إن الخلق مقتصر على الحياة، أم أن الله تعالى خالق كل شيء؟! خلق الموت والحياة، والجماد والنبات، والأرض بما فيها والسموات بما فيها، والكرسي والعرش. [الزّخرُف] {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ *} .
هذا، وقد وردت تفسيرات لهذه الأشكال لا إسناد لها يعتد به، فهي ضروب من التخرص في تأويل ذلك، ومنها أن الخاتم ذا الأركان خمسة، يشير إلى التطواف بأركان الملكوت. وأن الألِفات الثلاثة ترمز إلى الجمع لمعنى الشفع والوتر، والألف الممدود فوقها دل على كمال القهر والغلبة، والألفات الأربع لكل ذي قوائم أربع، والميم المنطمسة دلت على انطماسها بمداد العُبَّاد والعلماء والزُّهاد، والسُّلَّم يعني معراج السموات السبع الطباق، والهاء المقوسة تدل على إحاطة العلم والأمر. وثمة تأويلات أخرى نضرب صفحًا عن ذكرها، ولا ندخل في اختلافات أهلها بها فقد صرح كبيرهم البوني في منبع أصول الحكمة بما نصه (1) : وأما الأحرف السبعة التي هي.............. فاختلف الحكماء في معانيها على أقوال كثيرة، والحق أنها من غوامض الأسرار التي لا ينبغي التصريح بها حتى يكشفه الله تعالى للطالب إلهامًا أو منامًا!! فلينتظر منتظرهم كشفًا أعظم بإلهام أو بمنام، ونحن ننتظر رحمة الله باتباع رسوله خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
أخي القارئ، أكتفي بهذه النماذج التي هي أُمَّات ما قد تجده في كثير من الأحجبة، وأضرب صفحًا بعدها عن تفصيل لما يسمى حروزًا وختومًا تعددت عند أهلها؛ منها ما تعلق بالأسماء الحسنى فجعلوا لكل اسم حرزًا حوى وفقًا بحروفه وأعداده وقد توكل به - بزعمهم - مَلَك عُلْوي وملك سُفْلي، ومن حمل هذا الوفق استُحسِن له القيام برياضات روحية مضنية من صيام وخلوة وتكرار قول الاسم مئات المرات في أوقات عينوها له، ما أنزل الله بذلك من سلطان، كما جعلوا حروزًا مختصة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، [ص 155] وآخر مختص بفاطمة الزهراء رضي الله عنها، وكذلك فإن لديهم لكلٍّ من الأئمة الاثني عشر (1) حجابًا مختصًا به، وعُوَذًا وهياكل سبعة، مما لا يتسع المقام لذكره، وقد لا يمكن حصره (2) .
المبحث الثاني: في التحذير من مصنفات حوت هذه العلوم:
ولنشرع بعدها في ذكر بعض المصنفات المسماة روحانية، ولسان حالها ناطق بأنها إنما جعلت من أجل تعليم ممارسة السحر بطرق متنوعة، ونحن نذكر تلك المصنفات كيما يحذر القارئ من اقتنائها مغترًا بزخرف جمال مظهرها المخالف لقبح مخبرها، ومن هذه الكتب:
1- شمس المعارف ولطائف العوارف، المشتهر بشمس المعارف الكبرى، لمؤلفه أحمد بن علي البُوْني، وهو من أكثر الكتب المتعلقة بطريق التنجيم، بل والأمرِ بعمله - لكن لمستحقه بزعمه -، فهو يحدد ساعات فلكيةً تصلح لأعمال الشر، ويُصرِّح فيه بمُعتقَده بتقديس الكواكب السبع السيارة، ومن قوله في ذلك: (وقوى هذه السبع الدراري مأخوذة من قوى التقطعيات الباطنة، وهي: لا إله إلا الله؛ فهذه مستمدة من هذه العلويات الأقدسيات) (3) . كما حوى الكتاب أوفاقًا، وقرر أن لها تأثيرًا عظيمًا في كل ما يريده كاتبها، وهو يفعل بها ما يشاء، ووضع شروطًا لصحة كتابة كل وفق [ص 156] منها، وحاصل ذلك أن تكون الأعمال مرتبة في أوقات محددة موافقة لسعود الكواكب أو نحوسها، وادعى فيه معرفته بالأسماء التي كان عيسى عليه السلام يحيي بها الموتى بإذن الله! كما ادعى فيه معرفة الاسم الأعظم وجعل أوفاقًا لكلٍّ من الأسماء الحسنى، وأوفاقًا للحروف من فواتح السور، وأوفاقًا تعمل لما يخطر ببالك وما لا يخطر من قضاء حاجات، حتى استنطاق ما في القلوب، وحَجْب الأبصار، وعَقْد الألسنة، ورؤية الأرواح من غير حجاب! وأعمالاً لتفريق المجتمعين، ولتهييج المحبة (التِّوَلة) ، وهذه مما اتُّفِق على كونه من أعمال السحر، كما حوى ذكر أعمال السحر الخاصة بحقائق الموجودات، والعقاقير والتدخينات، وغير ذلك الكثير مما يُنبي عن مَشْرب صاحب الكتاب في تعليم السحر وإيهام القارئ بالقدرة غير المتناهية للأعمال السحرية من استحضار الجن والملائكة والطلب منهم، فينصرف بعدها عن الطلب من الله تعالى، ويفني عمره في تعلم رياضات السحر، وأعماله.
هذا، وإن خطر الكتاب لجسيم، لكونه من أكثر الكتب رواجًا في هذا الباب، ولأن كاتبه يدس في ثنايا كتابه السُّمَّ في الدَّسَم، فبينا يتقبل القارئ مبدأ فضل الأسماء الحسنى ووجوب دعاء الله بها، إذا به يجعل لها أوفاقًا حرفية وعددية، ويصاحب كتابتَها تقربٌّ إلى الكواكب السبع بكتابتها في طالعٍ سعيد، مع استدعاء خادم كل اسم من الملائكة بزعمه، فهيطال مثلاً خادم اسمه تعالى (الحي) (1) ، وتفصيل الأمر فيما حواه هذا المصنف لا يحسن في هذا المقام، لكنِ القصدُ التحذير منه وعدم الاغترار بثناء كثير من الناس عليه، وقد كان أول من أثنى عليه - بما هو ليس أهله - صاحبُه، حيث قال في ختام كتابه ما نصه: [واعلم أن كتابي هذا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه … فإن كنت تنكره أو تلقيه فللبيت رب يحميه، … فيا حسرتا على من كان في نهار غفلته مفرطًا، وعن رفقته ذوي المعارف مثبَّطًا، لقد بان [ص 157] خسرانه عند إرباح العالمين ونُسِخ اسمه من لوح المقربين … ] . انظر - رحمني الله وإياك - هل بعد هذه العبارات من تجرؤ على دين الله؟! فكتاب البوني موصوف عنده بوصف القرآن العظيم، ومعظَّم لديه تعظيمَ بيت الله العتيق، ومن لا يقرّ بذلك يتولى البوني الحكم عليه بنفسه يوم الدين بالخسران المبين، ونسخ اسمه من لوح الأبرار في علّيين!!! كما وطرده من ملأ المقربين!!
2- منبع أصول الحكمة، للبوني نفسه، وهو مختصر مشابه في كثير من محتواه لسابقه، لكن البونيَّ ضمَّنه شرحين لدعوتين اشتُهرتا بين أهل هذه الأسرار؛ الأولى بمسمّى (الدعوة البِرْهَتِيَّة) ، والثانية المدعوّة (الدعوة الجلجوتية الكبرى) ، أما الأولى فهي - بزعمه [قسم عظيم لا يتخلف عنه ملك ولا يعصيه جن ولا عفريت ولا مارد ولا شيطان، وهي تغني عن جميع ما عداها من العزائم والأقسام وتتصرف في جميع الأعمال من استنزال أملاك واستحضار أعوان وجلبٍ ودفع وصرع وقهر وإخفاء وإظهار، وغير ذلك من كل ما يريده الإنسان من خير أو شر] (1) . والبرهتية نسبة إلى بِرْهَتِيْهٍ بالعِبْريّة ومعناه - بزعمهم - بالعربية قُدُّوس أو سُبُّوح، وهي قصيدة حوت ثمانية وعشرين اسمًا من الأسماء المعجمة ادَّعَوا أنها أسماء الله تعالى، وهي غريبة في لفظها غاية الغرابة، وهي - في حقيقتها من العهود والاستحضارات الشيطانية، والتوكيلات السفلية، والاستغاثات الشركية، كما هو مصرح به في كيفية القسم بهذه الأسماء (2) .
أما الدعوة الثانية، فهي المسماة بالجلجوتية الكبرى، وقد ذكر لها طريقتين صغرى وكبرى، فكانت الصغرى قصيدة بستين بيتًا حوت وصف الأشكال السبعة التي سبق بيانها، وكانت الكبرى في أربعة وستين وثلاثمائة [ص 159] بيتًا، وقد سماها مباركة مع كونها حوت بنص قوله إعمالاً للسحر، ففيها:
وبالطلسمات الساحرات وسحرِها
سحرت عيون العالمين بما حوت
طلاسم أسماء وسحر طلاسم
سحرت بها كل العيون فأسحرت
كما أن القصيدة حوت استغاثة بمخلوقات، ومن ذلك قوله:
بعزة خُوطير له المجد والثنا
ويا قَلْنَهُودٍ قاهرَ الجن إذ عصَتْ
بسطوة بَرْشانٍ قوي وقاهر
له الملك والأملاك جمعًا تواضعَتْ
ويا كَظُهَير، يا إلهي بجاهه
بعز نَمو شَلَخٍ به السعد أقبلَتْ
ويا فَزْمَز أسرع بنَجْج مقاصدي
بقزٍّ بمزٍّ فالملوك تسارعَتْ
إلى ما هنالك من طامات أطّت بها القصيدة وحُقّ لها أن تئطَّ، فما نوعُ شركٍ إلا وله قد حَوَتْ!! مع هذا كله، فإن البوني يبارك هذه القصيدة، ويذكر أن خواصها لا تحصى وتصاريفها لا تستقصى!! ثم يأمر طالبَ السحر بقراءة هذه الدعوة - وهي 360 بيتًا كما سبق - سبع مرات، وأحيانًا ثمان وعشرين مرة في جلسة واحدة، لا يفصل بينها سوى تأدية الفرائض من الصلاة!! ونحن نقول لهؤلاء: أما كان كتاب الله تعالى هو الأحق بالتلاوة والحفظ والتدبر من جلجوتيتكم هذه؟! أما كانت أسماء الله الحسنى أحق بأن يدعى بها من هذه الألفاظ المعجمة التي في بِرْهتيتكم تلك؟! فيا من اقتنى مثل هذه الكتب هلاّ بادرت إلى إتلافها، فإن العمر فرصة ثمينة لإعماره بطاعة الله تعالى، وهو [ص 160] القائل سبحانه: [البَقَرَة: 186] {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ *} ، وإن التلفّت لمثل هذا السراب، أو السعي في ولوج هذا الباب، مضيعة للأعمار مجلبة للدمار، أعاذنا الله والمسلمين من ذلك.
3- مصنفات عبد الفتاح الطوخي: أغرق هذا الرجل أسواق المكتبات العامَّة، بل أرصفة المارَّة - ردهة من الزمن - بطوفان من تصانيفه التي ما تركت سبيلاً إلى إفساد عقول الناشئة بخاصة والناس بعامة إلا سلكته، وقد هالني حقًا هذا الكمُّ الهائل من هذه الكتب، وقد بلغت عندي نيفًا وخمسين كتابًا، لن أعمد في هذا المقام إلى سرد أسمائها فإن شأنها عندي أهون من ذلك بكثير، لكنْ سأذكر واحدًا منها هو دالٌّ بمضمونه على منهج التأليف والقصد منه، وذلك ضنًّا مني بوقت القارئ من الانشغال بمثل ذلك.
أ - البداية والنهاية في علوم الحرف والأوفاق والأرصاد والروحاني: هذا كتاب وضعه مؤلفه بجزءين جمع فيهما ستة ومائة مما سماه دروسًا قدّم لها بدعوى تعظيم الله لأمر السحر من دون سائر الموجودات، واحتج بقوله تعالى: [الأعرَاف: 116] {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} ، ألم يقرأ الطوخي قوله تعالى في توعد الله تعالى الكفرة بتعذيبهم في الآخرة وتعظيم ذلك بقوله سبحانه: [البَقَرَة: 7] {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} . وقولَه تعالى في وصف سوء العذاب على بني إسرائيل بأنه بلاء عظيم: [البَقَرَة: 49] {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ *} . وقولَه تعالى في توعُّد المنافقين المحادِّين لله ورسوله بخزي عظيم: [التّوبَة: 63] {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ *} .
[ص 161] ألم يدرك الطوخي - وهو من بزّ أقرانه وسبق سابقيه وأعجز لاحقيه عن مقاربته، فضلاً عن اللحاق به أو التفوق عليه - أن الوصف تابع للموصوف، فقُبح السحر جرّ إلى وصف التعظيم للسحر مبالغة في تقبيح شأنه وأمر أهله، لا للثناء عليه كما توهّم صاحب المصنفات الخمسين. وإني قد سقت هذا الرد عليه قاصدًا أن لا يغترّ القارئ بكثرة المصنفات والعبقرية الحسابية الفذة، التي تظهر في أشكال جداول هذه الكتب، وإنما جميع ذلك هو من واسع المعرفة بعلوم الشر، ويحضرني هنا قول الشاعر:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى
فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُه
ولنعد بعدها إلى ذكر شيء مما حواه كتابه «البداية والنهاية» ، فمن ذلك:
- … اعتقاد أن الحروف تتبع عناصر الموجودات، فمنها نارية وترابية وهوائية ومائية (1) .
- … اعتقاد أن لكل عدد خواص وأسرار، وأن بعضها يتحابُّ وبعضها يتنافر (2) .
- … اعتقاد تقسيم جهات العالم بحسب كلمات أبجد هوز، وأنها منقوشة كذلك عند العرش، لكنها نُقِشت نقشًا معنويًا لا ماديًا، ولا يعقلها إلا العالِمون (3) !
- … يدل في كتابه على أمور تستعمل كلها في أعمال السحر: منها الأوفاق، حيث يفصّل في صفة تخطيطها من المثلث منها إلى المعشر، ومنها الأرصاد مع شروط كتابة ذلك من إطلاق بخور كوكب الساعة، والكتابة على معدن مناسب لعنصر الكوكب، في مكان خال عن الناس [ص 162] والحيوانات، وبرسم شعباذ (1) يمثل هيئة العمل المراد من تباغض أو تنافر، وصورة الكتابة في الخير في الوفق، كما صورة الكتابة في الشر (2) . ومما دل عليه الكتاب أيضًا في جزئه الثاني: مظاهر الكواكب واتصالاتها وما تدل عليه، واعتقاده وجوب اتباع الناس لهيئات الكواكب، فيقول: حيثما رأيت السُّعود فقُلِ الخيرَ، وحيثما رأيت النُّحوس فقل الشر! …
والسعود فاضلة كريمة، والنحوس جاهلة لئيمة، والسعد يعطي، والنحس يسترجع (3) ! ويعتقد الطوخي بتحكم الطوالع بمصير الإنسان، فيقول: ومن كان له المريخ والزُّهرة في السادس - أي في الطالع السادس عند مولده -: كان طبيبًا حاذقًا في الطب، ومن كان عطارد راجعًا في مولده والزهرة تتلقاه بنورها كان غنيًا محسنًا، ومن كان عطارد في مولده في الثاني عشر من الطالع كان ذكيًا حليمًا عليمًا، كما أن الزهرة - باعتقاده - تَحُلّ ما يعقده المرّيخ والمشتري يحلّ ما يعقده زحل، فما أعظم قوة الزهرة إذا كان في الربع الشرقي، وإن كانت في الجنوب دلت على عطايا جزيلة، كذلك إن كان المشتري في الشمال (4) !! ثم يستخرج بعدها أسماء الملوك العلوية والملوك الأرضية (خدام الأيام والليالي) ، حيث يرفض ما قرره غيره من أن ملك يوم الأحد مُذْهَب، ومن بعده الاثنين مُرّة ثم الأحمر وبرقان وشمهورش والأبيض وميمون، ويذهب إلى طريقة في الاستخراج ليكون اسم الملك مخالفًا لما تقرر عندهم فيكون عينيائيل مثلاً أو شحنمنيائيل!! ولو ذهبنا نتتبع ما في هذا الكتاب لطال بنا المقال، لكن ما سبق قد دل بوضوح على مدى إغراق الرجل في تعليم صنوف السحر [ص 163] بالتنجيم والطلاسم والأوفاق، ولم يُخفِ ذلك في مطلع كتابه حيث قال: كتاب به جميع الطلاسم وحلُّ الرموز السحرية والروحانية، العُلْوية والسُّفْلية من عهد آدم عليه السلام حتى عهدنا الحاضر، جمعنا فيه السحر القديم والحديث من سحرة الفراعنة، وسحرة الهنود، وسحرة المغاربة، وسحرة السودان، والسحرة المصريين والأجانب في جميع العصور والأزمان، ثم يقول بعد تعمُّده جَمْع هذه الموبقات: أسأل الله أن ينفع به المطيعين لله رب العالمين وأن يجازيني به خيرًا يوم الدين، إنه سميع مجيب الدعوات، آمين (1) ، وعلى هذا المنوال جميع مصنفاته الخمسين، فيها تعليم الاستحضار والتسخير والاستخراج، والدعوات الشركية، والتوكيلات الشيطانية، والسحر؛ الأحمر منه
والأسود، وعلم الرمل، وعلم النّجامة، وطب الحروف، وضرب المندل، وأعمال: إرسال الهواتف والفرقة والطلاق، وعقد اللسان وسلب العقل والعقد عن الزواج، وغيرها مما يصعب حصره، وكأني به قد أوتي علم الأولين والآخرين، فلم تفته فائتة، ولم تند عنه واردة ولا شاردة إلا وغاص في مكنونها وعرفها كُنْه المعرفة!!
4- المصنف المسمى (فتح الملك المجيد المُؤلَّف لنفع العبيد، وقمعِ كلِّ جبارٍ عنيد) ، والمشتهر بمُجرّبات الدَّيْرَبي الكبير، لأحمد الدَّيْرَبي، وهو ستة وثلاثين بابًا في خواص الآيات والسور، وفي ذكر حجب مجرّبة تنفع - بزعمه - لكثير مما عجز عنه الطب الحديث، وفي رقى مشهورة النفع للحيات والعقارب، وطرد البق والبرغوث وجلب الحمام والسمك، وختامه شعوذة بحيل لإمساك النار وإدخال بيضة في قمقم، وإشعال النار في شمعة طين، ثم فيه فائدة للمقامرين ليتعرفوا على البيضة التي تكسر جميع البيض!! إلى آخر ما فيه من مجربات يحث عليها أهلها، [ص 164] والحق يقال: إن التساهل في أمر هذه المجربات قد فتح باب الفتنة على مصراعية لأعمال السحر، فقد احتج قوم بالتجريب لحصول المنفعة، فجرّوا على الأمة ما لا حصر له من المجرّباب، لكن الفيصل في ذلك - كما لا يخفى -[أن الأفعال إنما يثبت استحبابها واتخاذها دينًا، إذا وافقت كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى ذلك من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانًا على فوائد، لأن مفاسدها تكون راجحة على فوائدها] (1) .
ولنعد بعدها إلى هذه المجربات والفوائد لنجد أن عامة ما ذكر فيها من خصائص الآيات والسور لم تصح، ثم إن التصرفات بها بكتابتها على هيئات مخصوصة، ككتابة في إناء زجاج ثم محوها بماء ورد، أو على شقفة طين نيئة لم تحرق، ثم سحق الطين، وخلطه مع تراب من مقبرة قديمة وتراب آخر من دار خربة، ثم رش ذلك في موضع دار عدوٍّ لخرابه يوم السبت، كل ذلك مما يُستشف منه نوع استهزاء بآيات الله تعالى، وإن لم يكن ذلك فالبدع المُضِلَّة، وإلا فهل تستعمل آيات القرآن من قوله تعالى: [هُود] {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ *مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ *} . هل يعقل أن تكون سببًا في إصابة امرئ بحمى، إن رسمت في قدر باسم شخص مع شيء من أثره، ويجعل القدر على نار حتى يغلي فالمعمول له تأخذه الحمى من حينه ووقته، هذا ما قاله الديربي فهل من نفعٍ يفوق هذا النفع من مجرباته؟! كما حوى كتابه تلك الأشكال السبعة - المذكورة آنفًا - وأنها مجربة النفع أيضًا، وهكذا فهو كتاب غلب عليه الدلالة على أعمال سحرية مجربة، لا شأن لها ألبتة بالرقى الشرعية أو بخصائص السور وفضائل [ص 165] الآيات، وعلم الطب والكيمياء، مما ادُّعي - زورًا - أن الكتاب قد حَفَل به.
أخي القارئ، هذه نماذج لما قد يقع تحت يدك من أمثال هذه المصنفات المسماة روحانية، فاحذرها كل الحذر، ولا تغتر بعناوينها الطنانة وألفاظها الرنانة، ولا بثناءٍ عليها، فإن المؤمن كيّس فطن، واعلم - رحمك الله - أن الكتب من أمثالها قد بلغت مئات، كلها يسميها أهلها: علاجًا روحانيًا، وأسرارًا مكتومة مخفية، وكواكب درّية، وعلومًا لدنّية، ودعوات مباركات عليّة، ومجرّبات نافعة جليّة، وشموس أنوار، وكنوز أسرار، ومفاتيح غيبيّة، وطوالع فلكيّة، وقُرْعات (1) مباركات، وشموس معارف، ومنابع حكمة، [ص 166] وأصولاً جَفْرية (1) ، وحروفًا نورانية، وطبًا روحانيًا وحكمة علية، وهي في حقيقتها أبعد ما تكون عن الروح والعلم والحكمة والبركة والنفع، بل هي متسمة بأضداد ذلك، وقد اتصف أهلها كذلك بالزيغ والإفساد فكانوا ممن ألقت شياطينهم إليهم زخرف القول غرورًا، وأزّتهم على الإضلال أزًّا، ومنّتهم بقدرة فائقة على التحكم بمصائر الناس، بطريق أوحت به إليهم: أنْ راقبوا أوضاع الأفلاك، وناسبوا ذلك بأحرف وأعداد، واستجلبوا روحانية تلك الكواكب وخدامها من الجن والأملاك، فإنهم يسبغون عليكم من سحائب فضلهم كما يغيثونكم بوابل بركتهم، إن أنتم استدعيتموهم بأبخرة يحبونها، وبإقسامات وعهود يلتزمونها، لا يستطيعون فكاكًا منها ولا تحويلاً عنها!! هكذا صدّق إبليس عليهم ظنه، فاستخفّ عقولهم وعلّق قلوبهم بسراب يحسبه الظمآن ماءً، فهم يسعون إليه بكليتهم، يتعلمون منه فنون السحر بمشقة بالغة، وبرياضات وخلوات قاهرة، ولو شاء شيطانهم لوفّر عليهم ذلك العناء المضني والتعلم المفني، فعاونهم [ص 167] ابتداءً، لكنه - نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن - قصد إذلالهم، فاستعبدهم وأراق ماء وجوههم، كما أخسرهم إيمانهم، فخسروا باتباعه دنياهم مع أخراهم.
أعاذنا الله من شر الشيطان وشِرْكه وشَرَكه، ومن شر أتباعه وفجورهم، وردَّ كيدَهم في نحورهم، وحفظ على الأمة دينها، وزادها إيمانًا مع إيمانها، آمين.
***