مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 101] الفصل الثالث
بيان أنواع السحر، وعلاقتها بما يسمى (علومًا روحانية)
[ص 103] الفصل الثالث
بيان أنواع السحر، وعلاقتها بما يسمى (علومًا روحانية)
تمهيد: الغموض يكتنف عالم السحر:
إن المتتبع لما أُلّف عن السحر؛ من مصنفات تبحث في ماهيته وطرائقه وتأثيره، أو تلك التي تذكر أنواعه عَرَضًا بغية التعريف بها، ومن ثم بيان خطرها وذمّها بغرض التحذير منها، إن المستقرئ لذلك كله - أو لكثير منه- ليجد غموضًا يكتنف عالم السحر، وضبابية ترتسم من حوله، ما يجعل محاولة استقصاء أنواعه، ومعرفة ضروبه وفنونه أمرًا عسيرًا، دونه عقبات كؤود، قد يكون مرجعها إلى أمور أربعة:
أولها: ندرة المصنفات الأمهات في هذا العلم، والتي إن وُجد بعضها ضنّ أهلها بالتصريح فيها بطرائق أعمال السحر، فلا يُتاح لكل قارئ معرفتها، وآثروا - ولله الحمد - إبقاء مخبوء يكتمونه عمن هو ليس أهلاً لمعرفته!! ومما اشتهر من تلك المصنفات: كتاب (غاية الحكيم) للمجريطي (1) ، وكتاب (سحر النَّبَط) [ص 104] لابن وحشية (1) ، وكتاب (الجمهرة) (2) للخوارزمي، وكتاب (العَماء) (3) للدَّسْتُميساني، وكتاب البُّوني المسمّى (شمس المعارف الكبرى) (4) ، وغيرها مما قد يُطَّلع عليه بقصد الحذر لما فيه، لا لعلمه ولا للعمل به.
والثاني: أن من تعرض لبيان هذه الأقسام من علماء الأمة، ذكرها ضمن مسائل عديدة تعرض فيها لتفسير آية كريمة، أو شرح حديث شريف، أو تفصيل مسألة فقهية، ونحو ذلك، مما حصر ذكر هذه الأنواع في بوتقة البحث العلمي المراد به تأصيل مسائل ومناقشتها وتحرير محل النزاع فيها، ومن ثم تقرير ما ذهب إليه الكاتب. وقد اكتفى بعضهم بكونه ناقلاً أمينًا لما دوّنه سابقه من هذه الأقسام بقصد التعليق على ما ذهب إليه، وتقرير خلافه أحيانًا. والمثال عليه: ما دوّنه الإمام الجصّاص في (أحكام القرآن) ، ومن بعده الفخر الرازي في تفسيره الكبير، والأئمة: النووي في شرحه لصحيح مسلم، وابن حجر في شرحه لصحيح البخاري، وابن كثير في تفسيره، وغير هؤلاء العلماء [ص 105] الأفذاذ ممن كتب في الأنواع، أو اكتفى بالنقل عن سابقه، والتعليق عليه.
والأمر الثالث: أن الأنواع التي ذكرها المصنفون - قديمًا وحديثًا - منها ما تعلق بتقسيم أصل السحر بين حقيقة وتخييل، أو بتقسيمه من حيث أهلُه القائمون بعمله، وطرائقُهم في ذلك، وأدواتهم فيه، أو تقسيمه بحسب ما ترتب عليه من أثر بالمسحور، من تفريق أو تحبيب وغيرهما، وقد تجد أيضًا من نوّعه تبعًا للأحكام الشرعية في تعلمه والعمل به.
الرابع الأخير منها: أن بعض المصنفين المعاصرين - ممن ادعى حيازة علوم الأولين وربما الآخِرِين! - قد أغرق المكتبات في بعض البلاد بمصنفات حوت غثًا لا سمينًا من أسحار حمراء وسوداء، وأسرار العلوم المكتومة، وكيمياء القدماء المخزونة، ومجربات ما أنزل الله بها من سلطان وبركات الحروف، وقدرات الأعداد، وعلوم الأوفاق والزايرجات، وغيرها كثير مما تأنف الأنامل عن تسطير مثله، ثم نسب ذلك كله إلى علوم روحانية، اصطفاها من علوم أهل بابل، وحِكَم الإغريق، وأقلام الأولين وخطوطهم، بما جعل المطّلع عليها فضلاً عن العالم بها أو العامل بها - عياذًا بالله - في تعبٍ مُضنٍ دونه نيل شهادة علمية مرموقة، أو إتقان كثير من علوم الشريعة المطهرة!! وليس أدل على ذلك مثالاً كتب - الملقب بـ (الأستاذ الكبير) مدير عام معهد الفتوح الفلكي!! - عبد الفتاح الطوخي، الذي ألقى بما يربو عن ثلاثين مؤلفًا فيما ادعاه كشفًا لتلك الأسرار الخفية، والعلوم اللدنية، من تنجيم، وكشف طالع، وتسخير، واستحضار، وصرف عُمّار، وفتح مندل، ودعوات، وأوفاق، وخواتم، وأرصاد، وفك طلاسم، ومجرّبات، وتعبير رؤى، وعلوم نفس، وتنويم، وعلم فراسة، وليس هو الوحيد المبرّز في هذا المضمار فقد نافسه خلق كثير - من الرافضة - غرقوا في بحور الغرائب وأسرار الأجفار، والحروز المنسوبة زورًا لأئمة آل البيت الأطهار، وأغرقوا معهم جِبِلاًّ كثيرًا لا يزال كثير منهم يحتفظون بهذه الكتب [ص 106] في نفائس مقتنياتهم وخاصة مكتباتهم! أقول: قد أسهمت أمثال هذه المصنفات في إضفاء مزيد من التدليس في أمر السحر، حتى إنها قد خيلت للقارئ أن السحر صنوف لا تنحصر، وأن قدرات السحرة لا يحدها ضابط؛ فمن المجريات في طبهم التي ما تركت داء إلا وأحدثت له دواء، إلى خرصٍ بحسن طالع أو نحسه، إلى تسخير روحانية كوكب وإلزام للمَلَك المُوكَّل به، الذي يقوم بدوره بتسخير الجن المتحكم بالفيوضات الروحانية لذلك الكوكب، إلى
صناعة حُجُب مطلسمة تجلب الصحة وتمنع السقم، وتقضي سائر الحوائح من تفريق وتهييج محبة، إلى فتح مندل يجلب الغائب ويحضر المسروق، إلى تحضير جانّ، وإخراجه بل وإحراقه أحيانًا، إلى آخر منظومتهم التي تكاد لا تنتهي!
أخي القارئ، هذه الأمور الأربعة - المذكورة آنفًا - قد تكون أسبابًا مهمة حالت بين المسلم المعاصر وفهمه لحقيقة السحر، وأنواعه، وقد يكون ذلك - بتقدير الله - من الخير لهذه الأمة المكرمة، حيث انحصر اهتمام جُلّ المسلمين بمطالعة ما دوّنه علماؤهم في أقسام السحر، دون الخوض في معرفة تفصيلات ذلك، ونحن - بعون الله تعالى - سنسلك مسلكهم في بيان تقسيم السحر، مع قصد كشف ستر الدجاجلة، وتصنيفهم علوم الشر التي دوّنوها في تلك الأقسام، ليُعلَم وثيقُ علاقتِها بالسحر، فيُتقى تعلُّمُها ويُحذر أهلها، وعلى ذلك، فإن هذا الفصل سوف يحوي بابين:
الأول: في مراتب السحر وأقسامه.
وفيه أربعة مباحث: 1- مراتب السحر من حيث الحقيقةُ والمجاز.
2- أقسام السحر، من حيث طرائقه وأهله.
3- أنواع السحر، من حيث تأثيره.
4- تقسيم السحر من حيث الحكم الشرعي.
[ص 107] والباب الثاني: في بيان علاقة السحر بما يسمى علومًا روحانية.
وفيه مبحثان:
1- التعريف ببعض هذه العلوم، وبيان تعلُّقِها بالسحر.
2- في التحذير من مصنفات حوت هذه العلوم.
[ص 108] الباب الأول: مراتب السحر وأقسامه
أولاً: مراتب السحر من حيث ماهيته؛ حقيقة ومجازًا.
إن أشهر من تعرّض لمراتب السحر من حيث الحقيقة والمجاز ابنُ خلدون في مقدمته (1) ، حيث يقول: (والنفوس الساحرة على مراتب ثلاث يأتي شرحُها: فأولها: المؤثّرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين، وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر، والثاني: بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواصّ الأعداد، ويسمّونه الطِّلّسمات، وهو أضعف رتبةً من الأول، والثالث: تأثير في القوى المتخيلة؛ يَعمَد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيّلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعًا من الخيالات والمحاكاة، وصورًا مما يقصده من ذلك، ثم يُنزِلها إلى الحِسّ من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك، كما يُحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والأنهارَ والقصورَ وليس هناك شيء من ذلك، ويسمى هذا عند الفلاسفة: الشعوذة أو الشعبذة) (2) . يتبين مما سبق أن إعمال السحر - بمراتبه الثلاثة - لا بد فيه من تأثير نفس ساحرة قوية، سواء كان تأثير السحر بهذه النفس وحسب، أو باستعانتها بتوجهٍ إلى من تستعين به من مخلوق، أو بصرف تأثيرها إلى قدرات التخيل لدى الرائين، ومنها إلى قدرة الإبصار لديهم، كل ذلك اعتبره رحمه الله سحرًا لأن التعويل فيه إنما يكون على اقتدار النفس البشرية على التأثير بالهمة، وقَد بيّن أن هذه القوة هي قوة كامنة في تركيب الإنسان، لكنها إنما تظهر بالدِّرْبة على ذلك شأنها في ذلك؛ شأن سائر القوى البشرية الموهوبة [ص 109] للإنسان، وفي ذلك، يقول: [ثم هذه الخاصية - أي اقتدار النفس البشرية على التأثير بالهمة والإرادة - تكون في الساحر بالقوة شأن القوى البشرية كلها، وإنما تخرج إلى الفعل بالرياضة (1) ، ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجّه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل، فهي لذلك وِجْهة إلى غير الله وسجود له، والوجهة إلى غير الله كفر] (2) .
أما المراتب الثلاثة فأحسب أنك أدركت أن سحر الهمة، وسحر الاستعانة، مرتبتان للسحر الحقيقي، وأن الثالث هو سحر تخييل لا حقيقة له. وقد قرر ذلك ابن خلدون عند تعليله لاختلاف العلماء في حقيقة السحر، فقال رحمه الله:
[ولما كانت المرتبتان الأُولَيَان من السحر لها حقيقة في الخارج، والمرتبة الأخيرة الثالثة لا حقيقة لها؛ اختلف العلماء في السحر، هل هو حقيقة أو إنما هو تخييل، فالقائلون بأن له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الأولَيَيْن، والقائلون بأنْ لا حقيقة له نظروا إلى المرتبة الثالثة الأخيرة، فليس بينهم اختلاف في نفس الأمر، بل إنما جاء من قِبَل اشتباه هذه المراتب، والله أعلم] (3) . وعلى ذلك يكون ابن خلدون رحمه الله قد جعل أصولاً عامة يمكن أن يندرج تحتها صنوفًا تكاد ألا تحصى من أنواع السحر، قد تشعّب في ذكرها بعض أهل العلم. وإذا جاز لنا إجمال مذهبه - بما ييسر فقه ذلك على القارئ - فإن ذلك منحصر في ستة أمور:
[ص 110] 1- … أن النفس القوية المؤثرة هي شرطٌ لحصول السحر.
2- … هذه النفس، لا بد من تدريبها لتقوى مَلَكة التأثير فيها.
3- … هذه الدِّرْبة إنما تكون بصنوف من التقرب لغير الله - والعياذ بالله -.
4- … فإن كملت قوة هذه النفس بالتأثير بالإرادة، فاستغنت عن معين لها كان ذلك أشد ما يكون من السحر، وهو سحر له حقيقة في الخارج، أي: يؤثر تفريقًا وتحبيبًا واختلاطًا في عقل المسحور، وتغييرًا في مزاجه، وإمراضًا لبدنه.
5- … أما النفس التي لم تتكامل قوتها بالتأثير بالهمة فقط، فهي تبقى قاصرة عن إعمال السحر، إلا إذا استعانت بمخلوق من مزاجٍ لأفلاك، أو خواص لعناصر أو تأثير لأعداد، ويسمى فاعل ذلك ساحر بالطلسمات، وهو سحر له حقيقة أيضًا، وهو مؤثر، لكنه لا يبلغ بتأثيره كما سابقه.
وتأثير هذين النوعين بإيقاع الضر إنما يكون بأمر عادي أي ليس محتمًا حصوله، لكن يكون بإذن الله الكوني القدري، فيخلق الله - إن شاء - أثرَ هذا السحر - عند عمل الساحر له - فيبتلي به الساحر فتنة، والمسحورَ صبرًا وامتحانًا.
6- فإن عجزَتْ تلك النفس عن التأثير - حقيقة - بإرادتها وهمتها، وكذلك باستعانة بغيرها، عمد صاحبها إلى روحانية ملك - بزعمهم - أو كيد شيطان، أو إلى التأثير بطريق التخييل؛ وسبيل ذلك: محاولة السيطرة على مخيّلة الرائي النفسية، ومن ثم إسقاط ذلك على رؤيته الحسية البصرية، ليريَه ما ليس موجودًا حقيقة، وهذا الأخير هو سحر المجاز أو التخييل، وهو ما يسمى بالشعوذة.
وهنا تنبيه إلى أن المرتبة الثالثة، وهي سحر التخييل - إذا اعتمد فيها
[ص 111] الساحر على الخفة الفائقة، والسرعة الباهرة، والكلام المؤثر بالناظر، مع صرف بصره إلى ما يريده الساحر عما لا يريده، كان ذلك شعوذة وسحر مجازٍ لا على الحقيقة، أما إن عمد الساحر إلى تقديم الولاء والتعظيم لشيطانه (وهو ما يسمى بالقُمْرة) ، مع التمتمة بعزيمة أو إقسام ونحوه قاصدًا عون ذلك الشيطان فيما يخيِّلُ به للناظر، فهو - ولا ريب - سحر على الحقيقة لا على المجاز.
ثانيًا: أقسام السحر، باعتبار أهله وطرائق حصوله.
إن تقسيم أعمال السحر من حيث طرقه وأهله القائمون به، هو التقسيم الأكثر تشعبًا، الذي يكاد لا يخلو منه مصنف معتبر من المصنفات التي تعرضت لبيان أنواع السحر، بغرض التحذير منه، لكنْ يبقى أن تقسيم الإمام الفخر الرازي (604هـ) ، في تفسيره (1) ، هو الأشهر من بينها حيث نقل عنه ذلك التقسيم جمّ غفير من أهل العلم من بعده، ومن هؤلاء مَنْ أثبت تعقيبًا على تقسيماته، كالحافظ ابن كثير في تفسيره (2) ، والعلاّمة التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون (3) ، والعلاّمة الشنقيطي في أضواء البيان (4) ، وغيرهم، في حين اكتفى كثير من المصنفين قديمًا وحديثًا - حين التعرض لذكر أقسام السحر - إلى الاقتصار على ذكر تقسيم الرازي رحمه الله. وإتمامًا للفائدة - إن شاء الله - سأعمد إلى ذكر هذا التقسيم مشفوعًا بتعليقات الإمام ابن كثير رحمه الله عليه، كما سأورد - بعون الله - بعض تقسيمات لمن سبق الرازي، ومن لحق به؛ من أجل استخراج مجمل أنواع السحر، ومن ثم معرفة ما يدخل منها في سحر الحقيقة أو سحر التخييل، - بحسب إيراد ابن [ص 112] خلدون رحمه الله لمراتب السحر الثلاث. تأسيسًا على ما سبق، فإن مطالب هذا المبحث تكون كالآتي:
أ- ذكر تقسيمات لأنواع السحر سابقة لتقسيم الإمام الرازي رحمه الله.
ب- … إيراد تقسيم الرازي وتعليق ابن كثير عليه.
ج- … ذكر تقسيمات للسحر بعد تقسيم الرازي رحمه الله.
د- … ذكر مجمل الأنواع، مع بيان إمكان انضباطها تحت مراتب السحر؛ حقيقة ومجازًا.
أ- ذكر تقسيمات لأنواع السحر سابقة لتقسيم الإمام الرازي رحمه الله.
* تقسيم الإمام أبي بكرٍ الجصّاص (1) المتوفى (370هـ) رحمه الله:
قسّم الإمام رحمه الله ضروب السحر إلى خمسة أقسام (2) :
1 - … سحر أهل بابل؛ الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: [البَقَرَة: 102] {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} ، وكانوا قومًا صابئين يعبدون الكواكب السبعة، ويسمّونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها.
2 - … سحر (الشعوذة) أو التخييلات التي مظهرها على خلاف حقائقها، فمنها ما يعرفه الناس بجَريان العادة بها وظهورها، ومنها ما يخفى ويَلْطُف، ولا يعرف حقيقته ومعنى باطنه إلا من تعاطى معرفة ذلك، وتكلّف فعله والبحثَ عنه.
3- … ما يدّعيه السحرة من حديث الجن وطاعاتهم لهم بالرقى والعزائم
[ص 113] ومنه سحر النِّيرنْجِيّات (1) . ويتوصّلون إلى ما يريدون من ذلك بتقدمة أمورٍ ومواطأة قومٍ قد أعدّوهم لذلك. وضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي من أسماء الله تعالى.
4- … السعي بالنميمة والوشاية بها والبلاغات، والإفساد والتضريب من وجوه خفية لطيفة، وذلك عام شائع في كثير من الناس، وقد يتم التفريق بين الزوجين بمثل ذلك من إفساد ذات البين.
5- … الاحتيال في إطعام المسحور بعض الأدوية المبلّدة المؤثرة في العقل، والدُّخن (التدخينات) المُسدِرة (2) المسكرة، نحو دماغ الحمار أو غير ذلك مما يُذهِب فطنته، فيقول الناس: إنه مسحور.
* تقسيم الراغب الأصفهاني المتوفى (502هـ) رحمه الله.
قسمّ الراغب السحر إلى ثلاثة معان (3) :
1- … سحر الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يدٍ، وما يفعله النمّام بقولٍ مُزخرَف عائقٍ للأسماع (4) ، وعلى ذلك قوله تعالى:
[ص 114] [الأعرَاف: 116] {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} .
2- … السحر باستجلاب معاونة الشيطان بضربٍ من التقرب إليه، كقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} .
3- … السحر بما يذهب إليه الأغتام (1) ، وهم يزعمون أنه من قوته يغيّر الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حمارًا، ولا حقيقة لذلك عند المحصِّلين، أي: أهل تحصيل العلم.
* تقسيم الإمام ابن حزم الظاهري (المتوفى 456هـ) ، رحمه الله:
ذكر الإمام أربعة أقسام للسحر، هي (2) :
1- … سحر يكون من قِبل الكواكب، كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب (أي في برج العقرب) ، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، ومن هذا الباب كانت الطلسمات.
2- … سحر يكون بالرقى - أي: الضارة - وهي: كلام مجموع من حروف مقطعة في طوالع معروفة، يحدث لذلك التركيب قوة تستثار بها الطبائع وتُدافِع قوىً أخرى.
3- … سحر يكون بالخاصّة، أي: بالصفة الملازمة لبعض الأشياء؛ كالحجر الجاذب للحديد، وهو المغناطيس، وما أشبه ذلك.
4- … سحر يكون بلطفِ يدٍ، وهي أعمال لطيفة لا تُحيل طبعًا أصلاً، أي:
[ص 115] لا تغير طبيعة شيء إلى طبيعة أخرى؛ وذلك كما يفعل العجائبي الذي يضرب بسكينة في جسم إنسان فيظن من رآه ممن لا يدرك حيلته أن السكين غاصت في جسد المضروب، وليس كذلك، بل كان نِصاب السكين مثقوبًا فقط، فغاصت السكين في النصاب.
ب- تقسيم الإمام الرازي (المتوفى 606هـ) ، رحمه الله، وتعليق الإمام ابن كثير عليه:
يعتبر تقسيم الرازي للسحر هو الأشهر في ذلك، وقد عوّل عليه أكثر من لحقه؛ وقد قسّم رحمه الله السحر ثمانية أقسام (1) ، هي:
1- سحر الكِلْدانيين والكَسْدانيين، وهم قوم يعبدون الكواكب - السبعة السيّارة - ويزعمون أنها هي المدبّرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنُّحُوسة، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مُبطِلاً لمقالتهم ورادًّا عليهم في مذهبهم.
وقد ذكر الإمام ابن كثير، أن الإمام الرازي قد استقصى - في كتاب: «السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم» المنسوب للرازي، وقد صنّفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد - طرائقَ هؤلاء في مخاطبة كلٍّ من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون، وما يلبسونه، وما يتنسّكون به (2) .
2- سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ذلك أن النفوس خُلقِت مطيعة للأوهام، وأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، ويكون تأثير النفوس بالأوهام بقدر قوة هذه النفوس، وكلما فارقت هذه النفوس ملذاتها، كلما عظمت قوة تأثيرها. وهذا الذي ذكره الرازي قد تعقبه ابن كثير [ص 116] ببيان أن ذلك - أي: ترك النفوس ملذاتها - هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة يكون حالاً صحيحةً شرعية، وهذه مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم - أي: السحرة بقوة النفس - هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن للدجّال لعنه الله من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، لكنه مذموم شرعًا، وكذلك كل من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (1) .
3- سحر الاستعانة بالأرواح الأرضية أو السُّفْلية، وهم الجن: مؤمنهم وكافرُهم، والاتصال بهم عامة أسهل شأنًا من الاتصال بالأرواح السماوية، فهو يحصل بأعمال سهلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن.
4- سحر التخيّلات والأخذ بالعيون: وكيفيته أن المشعبذ الحاذق يعلم أن أغلاط البصر كثيرة، وأن القوة الباصرة إنما تدرك المحسوسات إذا تسنى لها زمنًا كافيًا لذلك، وأنها قد تختلط عليها المُبْصَرات إذا توالى عرضها بأزمان صغيرة غير كافية لإدراك كل منها على حدة، ويدرك المشعوذ كذلك أن انشغال النفس بما تهتم به قد يذهلها عن إدراك شيء آخر يقل في أهميته عن الأول باعتقاد الناظر، كما أن السرعة بعمل شيء ما - حال انشغال الناظر بغيره - يُظهر للناظر شيئًا لم يكن يتوقع ظهوره، فيتعجب منه جدًّا، والحال أن مبنى خفاء أعمال الشعوذة على شيئين: أحدهما إشغال الناظر والأخذ بعينيه إلى أمر غير مراد، من صورة أو حركة أو كلام، والثاني: الإسراع بالإتيان بعمل ثانٍ، مع التركيز على مؤثرات خارجية كشدة الإضاءة أو العمد إلى ألوان مظلمة، مما [ص 117] يُضعِف القوة الباصرة، أو صرف الأذهان بكلام تنشغل النفس به ريثما يُتِمّ المشعوذ عمله بسرعة، فيخيل للناظر غير ما ينظر إليه. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله [وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: [الأعرَاف: 116] {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} ، وقال تعالى: [طه: 66] {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ، قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، والله أعلم] (1) .
5- سحر الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النِّسَب الهندسيَّة تارة، وعلى ضروب الخيلاء أخرى، كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يُعدَّ من باب السحر (2) ، لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها، لكن لعسر تعلم ذلك عَدّ أهل الظاهر ذلك من باب السحر.
قال الإمام ابن كثير بعد ذكره لهذا النوع: [ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم مما يُرُونهم إياه من الأنوار؛ كقضية القُمامة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام منهم، أما الخواص منهم فيعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم!!] (3) .
[ص 118] 6- سحر بالاستعانة بخواص الأدوية والموادّ، مثل أن يُجعل في طعام المسحور بعض الأدوية المبلِّدة نحو دماغ الحمار، أو المزيلة للعقل نحو الدخن المسكرة، وهذا النوع لا يمكن إنكار أثره، ذلك أن أثر التصرف بخواص المواد مشاهد، ومن ذلك أثر المغناطيس الجاذب للحديد، إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب، والباطل بالحق (1) .
يقول الإمام ابن كثير بعد نقله لهذا النوع: [يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدّعي الفقر (2) ، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًا أنها أحوال له، من مخالطة النيران ومسك الحيات، إلى غير ذلك من المُحالات] (3) .
7- سحر تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم لله تعالى!! وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا [ص 119] اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضَعُفت القُوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
قال الإمام ابن كثير معلقًا على هذا النوع: [هذا النمط يقال له: التَّنْبَلة، وإنما يَرُوج على الضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة (1) ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من تافهه، فإذا كان المُتنبِل - أي الساحر - حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره] (2) .
8- سحر، بالسعي بالنميمة، والتضريب، من وجوه خفية لطيفة، وذلك شائع بين الناس.
فائدة جليلة للإمام ابن كثير في التعليق على هذا النوع: [النميمة على قسمين؛ تارة تكون على وجه التحريش وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا كانت على وجه الإصلاح وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: «ليس بالكذاب من يَنِمُّ خيرًا» (3) ، أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب، كما جاء في [ص 120] الحديث: «الحرب خَدْعة» (1) ، وكما فعل نُعَيْمُ بن مسعودٍ (2) - الغطفاني رضي الله عنه، بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) - في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظةَ، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأَمَ بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحدو على مِثْل هذا الذكاء والبصيرة النافذة، والله المستعان] (4) .
جـ- ذكر تقسيماتٍ للسحر بعد تقسيم الإمام الرازي رحمه الله.
يعتبر تقسيم الإمام الرازي رحمه الله عمدةَ كثيرٍ من أهل العلم ممن جاء بعده، لكنْ ذَكَر بعض منهم تعليقًا كالإمام ابن كثير - وقد سبق ذكر ذلك - واكتفى البعض بنقلها سردًا، كما وُجِد من استقل بذكر تقسيمات للسحر، وافق بعض منها ما ذكره الإمام الرازي ومن قبله، في حين استقل البعض الآخر عنها، وقد اخترت من ذلك ستة تقسيمات للسحر لعلماء أعلام، سأوردها مقتبسة من كلامهم؛ وذلك لما حوته من مزيد فائدة في معرفة تلك الأقسام.
* تقسيم الإمام القرطبي (المتوفى 671هـ) رحمه الله (5) :
1- … سحر يكون بخفة اليد كالشعوذة، وهي خفة في اليدين وأُخذة كالسحر.
2- سحر يكون بكلام يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى.
3- سحر يكون من عهود الشياطين.
[ص 121] 4- سحر يكون بأدوية وأدخنة وغير ذلك.
* تقسيم الإمام شهاب الدين القرافي المالكي (المتوفى سنة 684هـ) (1) :
ويلحظ بهذا التقسيم أنه باعتبار الآلة التي يتم فيها السحر، وهو ثلاثة أنواع:
1- … السِّيمياء (2) ، وهي ما يُركَّب من خواص أرضية كدهن خاص أو كلمات خاصة، توجب إدراك الحواس الخمس أو بعضها بما له وجود حقيقي، أو بما هو تخيّلٌ صرف من مأكول أو مشموم أو غيرهما.
2- … الهِيمياء، وهي ما يوجب ذلك - أي ما ذكر في السيمياء - مضافًا لآثار سماوية لا أرضية، أي: يحصل بأثر سماوي لا بخواص أرضية.
3- … سحر باستخدام بعض خواص الحقائق، ومن مجرّبات ذلك بزعم السحرة، أن نوعًا من الكلاب إذا رمي بسبع أحجار، فعضّ كلاً منها وطرحت هذه الأحجار بعدها في ماء، فمن شربه ظهرت عليه آثار خاصة.
* تقسيم الإمام الفيروزأبادي مجد الدين (المتوفى 817هـ) (3) :
1- … سحر الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها، نحو ما يفعله
[ص 122] المشعوذ من صرف الأبصار عما يفعله بخفة يد، وما يفعله النمّام بقول مزخرف عائق للأسماع.
2- … سحر باستجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه.
3- … ما يذهب إليه الأغتام، مما يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، ولا حقيقة لذلك عند المحصِّلين.
* تقسيم الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى (852هـ) رحمه الله (1) :
1- … سحر الاستمالة، فكل من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه سحر العيون، لاستمالتها النفوس.
2- … سحر يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده.
3- … سحر بالاستعانة بخواص المواد، كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس، وهو سحر لا حقيقة له كسابقه.
4- … سحر يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعمهم.
5- … سحر يحصل بالجمع بين الاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب، فيكون ذلك أقوى بزعمهم.
وهذه الأقسام الخمسة يطلق لفظ السحر عليها باعتبار فعل الساحر.
6- … سحر بالرقى - أي: رقى الجاهلية - والنَّفْث في العقد.
7- … سحر بتصوير الصورة على صورة المسحور، وهو المسمى بالشِّعْباذ.
[ص 123] وهذان الضربان الأخيران، سحر باعتبار الآلة التي يُسحَر بها. فالأولى منهما معنوية، والأخيرة حسية.
* تقسيم العلاّمة أحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زادَهْ (المتوفى 968هـ) رحمه الله (1) :
قسّم طاش كبرى زاده السحر باعتبار طرق السحرة فيه، وهي أربع طرق:
1- … طريق الهند، وهو طريق السحر بتصفية النفس.
2- … طريق النَّبَط (2) ، وهو بعمل عزائم في أوقات مناسبة.
3- … طريق اليونان، ويكون بتخيُّر روحانية الأفلاك والكواكب.
4- … طريق العبرانين والقبط والعرب، ويكون بذكر أسماء مجهولة المعاني كأنها أقسام وعزائم، كأنهم يزعمون أنهم يُسخِّرون بها ملائكة قاهرة للجن.
* تقسيم العلاّمة حافظ الحَكَمي (المتوفى 1377هـ) رحمه الله (3) :
1- … سحر باستخدام علم التنجيم، ومن أعظم أنواع التنجيم ما يفعله عَبَدة النجوم، ويعتقدونه في السبعة السيّارة وغيرها.
2- … سحر بزجر الطير والخطّ بالأرض.
3- … سحر بالعقد بالخيوط، والنَّفْث على كل عقدة، من أجل أن ينعقد - أي يتم ويثبت - ما يريده الساحر من السحر، والعياذ بالله.
[ص 124] 4- … سحر يكون بالتخييل في قلب الأعيان، ومن ذلك: حسن البيان في المفاخرة والخصومات بالباطل، كذلك منه العَضْهُ، وهي - كما في الحديث - «النميمة القالة، بين الناس» (1) . وهذا النوع وإن لم يكن سحرًا حقيقة، فإنه يعمل عمل السحر.
د- ذكر مجمل الأنواع، وإمكان انضباطها بحسب مراتب السحر حقيقة ومجازًا.
أخي القارئ، تلك جملة من أنواع السحر، مما ذكره أهل العلم، وإنك لتلحظ فيها تطابقًا تارة وتداخلاً أخرى، وقد يدخل فيها ما ليس معتبرًا في السحر أصلاً، وهذه الأنواع منها ما تعلق بأهل السحر، أو بصنوف أعمالهم، أو بطرقهم بالتوصل إلى اكتساب السحر، أو بالآلة التي يسحرون بها، مما استدعى كثرة في الأنواع من غير أن ينضم بعضها إلى بعض لعلة جامعة بينها، وقد يكون نافعًا - إن شاء الله - إدراج جميع تلك الأنواع في مراتب السحر من حيث الحقيقة والمجاز، بحسب ما قرّره العلاّمة ابن خلدون رحمه الله. فنقول: إن تعداد هذه الأصناف - بانضمام ما تجانس منها باعتبار الساحر أو عمله أو آلته - يصل إلى تسعة عشر نوعًا، هي:
1- … سحر بتصفية النفس القوية المؤثرة بالهمة والإرادة.
2- … سحر التنجيم، وهو سحر الصابئة من أهل بابل عَبَدة الكواكب.
3- … سحر الطلسمات، بكتابة خطوط وكلام مجهول المعنى، مع الاستعانة بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد.
4- … سحر بعزائم ورقى، يزعم أهلها تسخير ملائكة قاهرة للجن بها،
[ص 125] أو تسخير ملوك الجن بها.
5- … سحر بعهود شيطانية، يتحصل الساحر عليها بعد تقديمه ضروبًا من التقرب لشيطانه، عياذًا بالله تعالى من ذلك.
6- … سحر بألفاظ لا يتبين معناها، ولا يفصح عنها أهلها، وهو سحر الأغتام، الذين يزعمون أن قوته تغير الصور والطبائع.
7- … سحر بخواص حقائق الموجودات، وهو - كما يزعمه السحرة - بأن ثمة خصائص لبعض الحقائق لها تسلّط على النفوس، كالمشط والمشاطة وجُفّ طلعٍ ذكر - كما سبق ذكره في قصة سحر اليهودي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أيضًا بزعمهم وجود تناسب بين بعض الموجودات، كرمي سبع حجارة لنوع من الكلاب، فإن عضّ كلَّ واحدة منها، ثم وضعت في ماء فشربه شارب سُحِر بذلك.
8- … سحر معتمد على خصائص المادة، كجذب المغنطيس الحديدَ، وغيرها كثير مما تقرر في علم الكيمياء الحديث - من أثر مواد تنتج ألوانًا بعينها أو دخانًا، أو نارًا عند تفاعلها مع مواد أخرى.
9- … سحر الأخذ بالعيون، وهو سحر الشعوذة - أو خفة اليد -، ومنه النيرنجيات، ومنه كذلك سحر يظهر من تركيب آلات على نسب هندسية، وهو شائع في عصرنا لما توصل إليه العلم والتقنية الحديثة بما يوهم الرائي سحرًا.
10- … سحر بعقد خيوط، والرّقي عليها، بتلاوة رقى بكلمات ضارة من رقى الهند أو رقى الجاهلية ونحوها، ثم النفث بها باستحضار إرادة إيقاع ضرٍّ بالمسحور.
11- … سحر السيمياء، أو تركيب بعض الخواص الأرضية، أو قول كلماتٍ خاصة.
[ص 126] 12- … سحر الهيمياء، أو سحر بآثار الخواص السماوية.
13- … سحر التَّنْبَلة، أو سحر تعليق القلب، بادعاء معرفة اسم الله الأعظم، وطاعة الجن للساحر بذلك.
14- … سحر بالاستعانة بخواص الأدوية المبلِّدة، أو التدخينات المُسكِرة.
15- … سحر تخييل الباطل في صورة الحق، ومنه سحر البيان، وسحر العَضْهِ، وهي النميمة بالقالة بين الناس.
16- … سحر الكهانة بادعاء معرفة شيء من الغيب، بالاستعانة بزجر الطير، أو الخط بالأرض، أو الضرب بالحصى، أو حساب الطالع ونحو ذلك مما يفعله الدجاجلة وما أكثرهم.
17- … سحر استمالة النفس، ومنه سحر العيون، وسحر الطبيعة ونحو ذلك.
18- … سحر بالجمع بين الاستعانة بالشياطين بالتقرب إليهم، ومخاطبة الكواكب وعبادتها.
19- … سحر بتصوير الصورة على صورة المسحور، - وهو المسمّى بالشِّعْباذ - وقد يغرز فيها أبر ونحو ذلك.
أخي القارئ، تلك جملة من أنواع السحر، تدلّك بحالها على كثرة الأنواع المختلفة الداخلة فيه، وأن قَدْرًا مشتركًا بينها جميعًا لا يتحقق، بما يفسر اختلاف عبارات العلماء في تعريف السحر اصطلاحًا جامعًا لأنواع مانعًا لغيرها، لكن مع ذلك فإنه يمكن تقرير أن جميع أنواع السحر لا بد فيها من همة وإرادة نفس بشرية قوية تؤثر بنفسها، أو بمعين لها، أو تقدر على التخييل في نفس الرائي أو في هيئة المرئي، وأن خطر هذا السحر يكون بالترتيب السابق، فما كان باقتدار النفس فقط فهو الأعظم خطرًا، ومنه السحر بعقد خيوط والرَّقْي عليها ثم النفث بها، ومنه كذلك سحر أهل بابل [ص 127] مما أنزل على الملكين هاروت وماروت فيها، أو مما تقولت به الشياطين على سبب ملك سليمان، مما يؤثر - بإذن الله الكوني - تفريقًا أو تحبيبًا، لكن هذا النوع من السحر قد دَرَس العلمُ به، وكادت المعرفة به أن تكون مستحيلة، لكن إن وجدت، ووجد من علمها، فإن خطرها يبقى هو الأكثر ضرًا من بين أنواع السحر، لذا فقد ذُكِر هذا الأثرُ في كتاب الله وفي سنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وهو غاية ما يقتدر عليه ساحر أثيم، ولا ينحل أثر ذلك إلا برقى مشروعة، من أعظمها تلاوة المعوذتين، وقول التعوذات النبوية الكريمة. ولو أنك تأملت سائر أنواع السحر من بعد ذلك لوجدتها أسحارًا معتمدة على تنجيم وطلسمات - في تمائم وأحجبة - وعزائم مسخرة وعهود شيطانية، واستعانة بهم في إحداث وسوسة أو مس، أو دلالة على مسروق ونحوه، أو كانت معتمدة على كلام معجم حوى كفرًا، أو اعتمدت على تركيب خواص أرضية أو أدوية أو تدخينات، أو كانت تخييلاً وشعوذة وعلمًا خفيًا بحقائق علمية، أو إيحاءات نفسية بحيازة معرفة الاسم الأعظم، أو بطريق التخاطر الفكري المعروف بالتلباثي، أو كهانة بخط في الرمل، أو رصدًا للحفاظ على مخبوء، أو أنه سحر في اللغة وحسب كسحر البيان وسحر العَضْه، مع كونهما يُخيِّلان كما يعمل السحر.
وعلى ذلك كله نجد أن تقسيم العلاّمة ابن خلدون رحمه الله السحر إلى تلك المراتب الثلاثة التي سبق ذكرها، يمكن إدراج جميع أنواع السحر فيها بما يمايز بينها، ويزيل اللبس عن مفهوم السحر، فيكون السحر المؤثر بهمة الساحر وتصفية نفسه مع قوله رقى ضارة أو نفث في عقد، أو تصوير المسحور، هو من مرتبه السحر الحقيقي بغير مُعين، وكذلك سحر الطلسمات والتنجيم بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها المزعومة، والعزائم المسخرة على خواص حقائق بعض الموجودات، وكذلك سحر الهيمياء بآثار الخصائص السماوية - بزعمهم - والكهانة بأنواعها، كل ذلك سحر على الحقيقة لكن بمعين، وتكون الشعوذة وما [ص 128] شاكلها من تخييل، كالسيمياء، والنيرنجيات، وسحر الأغتام، وسحر الأدوية والتدخينات، كل ذلك وإن عمل عمل السحر في التخييل وإيقاع الضر إلا أنه لا يسمى سحرًا حقيقة، بل مجازًا، ومن باب أولى في ذلك أن يكون سحر الاستمالة والبيان والعِضَهِ تخييلاً لا حقيقة، والله أعلم.