مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 169] الفصل الرابع
السحر؛ باعتباره ظاهرةً اجتماعية
[ص 171] الفصل الرابع
السحر؛ باعتباره ظاهرةً اجتماعية
تمهيد:
يعتبر علم السحر، والاشتغال به، من الأمور التي حظيت باهتمام المجتمعات الإنسانية قديمًا وحديثًا، حيث إنه من العلوم التي يكتنفها الغموض، وتحيط بها هالة من التعظيم، النابع من خوف الإنسان بعامة مما يكون خفيًا عن حواسه، وهو يعتقد مع ذلك أنه قد يتسبب له بخطر محدق. لذا، فإن معرفة شيء ما عن هذه الظاهرة سرعان ما يستهوي كثيرًا من الناس، وذلك بسبب ما يسمى - في علم النفس - بالوحدة النفسية بين البشر، فالشعوب على اختلافها تعرف طقوس السحر وطلاسمه وتعاويذه، والمجتمعات تنقسم فيما بينها بين من ينظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها وسيلة لمعرفة آثارها، أو وسيلة للتسلية وإشباع رغبة النفس بالاستطلاع على المغيبات، وبين من يعتبرها أساسًا يبني عليها حياته، وتكون محور اهتمامه ومأخذ تفكيره (1) . وسنبحث - إن شاء الله - في هذا الفصل باختصار تأريخ السحر، مع بيان أثر السحرة وأعمالهم في المجتمعات، والعلاقة الوطيدة بين انحراف الشباب خاصة، وبؤر السحر والشعوذة، وسبيل الخلاص من ذلك.
وعليه، فإن الفصل يحوي أربعة مباحث تتناول الآتي:
أولاً: لمحة تأريخية عن السحر لدى الشعوب.
ثانيًا: الوظيفة الاجتماعية لظاهرة السحر.
[ص 172] ثالثًا: السحر وشباب الأمة.
رابعًا: نظرة تربوية لاستنقاذ الشباب من أوكار الانحراف.
أولاً: لمحة تأريخية عن السحر لدى الشعوب (1) :
عرفت الإنسانية فنون السحر منذ عهود قديمة، وظهر في ذلك مخطوطات ومنقوشات صخرية تدل بمجموعها على مبلغ اهتمام الإنسان بأداة السحر باعتبارها معينًا له في حل المشكلات المتعلقة بعالم الغيب، لرفع الأستار عنه، والوقاية من أخطاره المحدقة. وقد اختلف المؤرخون في تحديد أول من مارس طقوس السحر وأعماله، إلا أن بعضًا منهم يرجح أن يكون زرادشت (زوروستر) ، في بلاد الفرس، والواقع أنه منذ القرن الأول الميلادي إلى ما بعده استخدمت كلمة (مجوس) للإشارة إلى السحرة والراجمين بالغيب الوافدين أساسًا من بابل، واعتبر المجوس البابليون غالبًا من السحرة. ثم لحق الفرس الكنعانيون حيث اعتقدوا اتصال الكلاب والقطط بالشياطين وتأثير أصواتها على الناس، أما الكلدانيون فقد اهتموا بدراسة الكواكب والنجوم، واعتقدوا جزمًا بتأثير حركتها على حياة البشر وهم ينسبون إليها أفعالاً كثيرة، ويعملون أعمالهم السحرية معتمدين على حركات الكواكب وأوقاتها ومواضعها، وعليه فإنهم أول من اعتمد النِّجامة كسبيل للسحر، أما المصريون القدماء فقد اعتبروا السحر علمًا من علوم الكهنوت، وربطوا كثيرًا من الطقوس الدينية بالسحر وتعاليمه، وعليه فقد كان السحر لديهم دينًا تطبيقيًا اشتغل به كبار رجال الدين.
[ص 173] أما الهنود القدماء فقد احتل السحرة لديهم - وما زالوا - مكانة كبيرة، واختلطت الطقوس السحرية لديهم بكثير من عاداتهم، فكثرت عندهم التعاويذ والرقى، وكان منها ما يُستخدم للضر أو للنفع بحسب اعتقادهم؛ فقد تُمرض أو تشفي أو تضمن السعادة أو تجلب النحس، وتعدى أثر السحر لديهم إلى إخصاب الأرض وإجدابها، ولهم كتب في ذلك منها ما يسمى (سر الأسرار) ، ويعتقد الهنود أن معبوداتهم في الثالوث الهندي، وهو يتألف من برهما وفشنو وسيفا، تخضع للسحرة وتأتمر بأوامرهم؛ لأنها لا تقوى على مقاومة تعاويذ ورقى السحرة الهنود!!
كما قد ذاع صِيت السحر في أوروبا في عصورها المظلمة.
أما اليونان القدماء، فقد تعلموا السحر بالتنجيم، واعتقدوا بأن انتصار الإسكندر المقدوني على سائر الملوك كان بفعل معرفته بالأعمال السحرية، في حين أن الرومان عاش أباطرتهم الوثنيون في رعب من السحر، واتخذوا إجراءات تحميهم منه، وكان المتمرِّسون بالسحر في مجتمعهم يُعدون أشرارًا مشعوذين ويُحاكَمون تبعًا لذلك.
وفي روما كانت شهرة الكلدانيين من بابل ذائعة في مضمار السحر، وكان يُعتقد أن في حوزتهم أسرار السحر والتنجيم.
أما اليهود فقد كانوا - وما زالوا - من أكثر الشعوب تعلمًا وممارسة للسحر، فقد ورثوه صاغرًا عن صاغر مما تقولته الشياطين على ملك سليمان عليه السلام، ويعرف سحرهم باسم مكايد بني إسرائيل وهي تسع وثلاثون مكيدة - أي عملاً سحريًا - فيها من الضر المقصود ما الله به عليم، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أما السحر لدى أهل الصين فهو من أقدم ما عرفته الإنسانية منذ ثلاثة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح عليه السلام، ويعتقد أن كتاب (التغيرات) لكونفوشيوس الصيني هو أقدم كتاب في هذا المضمار.
[ص 174] هذا بإجمال سرد دال على تغلغل السحر في سائر المجتمعات، بما يفسر - تأريخيًا - نسبة عامة الأقوام دعوات رسلهم عليهم السلام إلى السحر، ووصمهم للأنبياء بأنهم سحرة يبغون حيازة الملك بسطوة سحرهم، وبتمرسهم في فنونه. قال الله تعالى: [الذّاريَات: 52] {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ *} . وقال سبحانه حكاية عن قوم فرعون، وعن كفار قريش: [القَصَص: 48] {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} . وقال عز من قائل: [الأعرَاف: 108-109] {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ *قَالَ الْمَلأَُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *} .
ثانيًا: الوظيفة الاجتماعية لظاهرة السحر.
قد يسأل المرء متعجبًا: ما الذي يجعل من السحر ظاهرة اجتماعية مهمة مستمرة في حياة الناس، مع ما توصل إليه العلم الحديث من تقنيات متطورة بما يذهل العقول ويكاد يذهب بالألباب؟ فالعالم بات قرية صغيرة، يتناقل أهله فيها شتى المعارف في ثواني معدودة، بل يأتيك بالأخبار من لم تُزوِّد، فتلك الأقمار الصناعية في مئات المدارات تبث ما شاءت من غث وسمين، وتلك المركبات الفضائية تصطدم بنيازك عمدًا لتأخذ عينات منها فتحللها وتنبئنا بمكوناتها في مراكز وكالات الفضاء، وأخرى تحط غير مأهولة على سطح المريخ، لتنقل إلينا كثيرًا من طبيعة أرضه ومحيطه!! [ومعلوم أن هذا الكوكب هو من السبع الدراري السيارة التي ما زال أهل السحر بالتنجيم مصرين على أن له روحانية تُستنزَل وملكٌ موكل وجنٌ خادم، ومعدن مناسب للتقرب إليه، وثياب للمُتقرِّب إليه مختصة به يُرضي مزاجَ الكوكب بلبسها، وبخورات تستجلب تأثيره، فيُعمل عندئذٍ الكوكب - بزعمهم - تفريقًا وتحبيبًا وإمراضًا ومعافاة، وحربًا وسلمًا، وسعدًا ونحوسًا، وخصبًا للأرض أو جدبًا، بل تعدى ذلك كله إلى التصرف بأسعار السلع التي من جنس معادنه إغلاء وإرخاصًا] (1) !!
[ص 175] ونعود بعدها إلى تعليل تواصل هذه الظاهرة في المجتمعات البدائية منها والمتقدمة، لنجد أسبابًا ثلاثة تكمن وراء ذلك (1) :
1- شغف الإنسان بفطرته - إلى تفسير الظواهر الغامضة والغريبة في الكون، فلا تبقى في مخيلته مجهولة يتوجس منها خيفة، ويترقب أن تداهمه في كل لحظة، فإذا ما استكشف حقيقة هذا المجهول تسبب له ذلك باطمئنان نفسي، وجعل لهذه المجهولات قدرها الذي تستحقه دون المبالغة في جعل هالة حولها تقلق النفس وتؤرق الروح وتشغل الفكر.
2- شعور الإنسان دومًا بحاجته لقوى خارقة تختصر له طريق البلوغ إلى مآربه، وبخاصة إذا ما بذل في تحصيل حاجاته قصارى جهده فأعجزه ذلك، عندها يبحث جادًا عن وسائل تنوّله - بأقل جهد ممكن - مراده، وتحقق له بتعويذة مثلاً أو بكتابة وَفْقٍ جميع حاجاته!! فمن كانت عاقرًا فإنها تلد بحمل حجاب، ومن كان مبتلى بمرض عضال أعجز أهل الطب، تخلص منه بطلسم قاهر لا يرد أمره ولا يتخلّف وعده! وهذا الشعور بالقصور الإنساني تزيد نسبته عند الإنسان البدائي الأمي، لكنه قد يتعداه إلى من حاز أعلى الدرجات العلمية، بل وإلى حكام الشعوب أحيانًا، فينشئ أحدهم حربًا مثلاً أو يعقد سلمًا تبعًا لتكهن كاهن أو تنجيم ساحر أو نبوءة عراف!!
3- استخدام بعض الناس السحر كوسيلة للدفاع من أذى الآخرين، وكذلك لحماية الممتلكات الخاصة، لاعتقادهم بذلك، وقد يستعمل البعض السحر لإيذاء الآخرين بالتفريق أو الأمراض ونحوه أو التنكيل بالأعداء، أو لجلب محبوب، أو حتى لجلب زبون، أو ترويج كاسد من سلعة، ولعل هذا الدافع هو الأقوى لاستمرار هذه الظاهرة، فالإنسان تتعدد حاجاته وهو يسعى حثيثًا لتحقيقها، ومن الناس من يعتقد أن السحر هو الطريق الوحيد لذلك.
[ص 176] تلك هي الوظائف الاجتماعية - الحيوية والنفسية - التي تؤديها ظاهرة السحر، وهي تمثل جميع خصائص الظاهرة الاجتماعية، ما ضمن لها البقاء في المجتمعات، إما باعتبارها اعتقادات أو عادات، أو موردًا سخيًا للتكسب به، أو سبيلاً للوجاهة والسلطة عند من يمنح السحرة هالة، ويعتقد بهم قدرة فائقة.
ثالثًا: السحر، وشباب الأمة.
إن من المسلّم به - في علم الاجتماع - أن الإنسان هو نتاج ثقافته، وأن التنشئة الاجتماعية هي عملية تحويل هذا الإنسان (الكائن الخام عند مولده) إلى كائن مثقف واعٍ متفاعل بإيجاب مع تلك البيئة المحيطة به. كما أن الإنسان بحكم فطرته ينزع دومًا وبإصرار إلى مزيد من الاستقلال والحرية المتنامية سعيًا إلى تحقيق ذاته والسموّ بها، وهذا النزوع هو منبع متدفق لعملية التجديد الاجتماعي، ومن غير هذا التمرد - إن صحّ التعبير - يبقى المجتمع آسنًا آيلاً إلى التحلل الذاتي، ومن ثم الاندثار.
أخي القارئ، لقد سقت إليك هذا التمهيد لنخلص معًا إلى أن نَزَعات الشباب المستمرة إلى التغيير ليست في ذاتها مذمومة، بل هي الأداة الأقوى إلى الحدّ من سطوة تلك العادات الاجتماعية، التي قد لا تكون دومًا متوافقة مع روح الدين وتعاليمه. وعلى ذلك؛ فإن الانفتاح لتقبّل كل حسن من الجديد، يزيد من كفاءة الأمة على عيش عصرها، بل واستباق كفاءته أحيانًا، وقد عاشت الأمة حِقَابًا من الزمن فاقت فيه بوعيها المتجدد أمم عصرها، فبينا كانت أوروبا تتناحر إماراتها، وتغرق في ظلمات جهالتها، كانت الأندلس تزهو حينها بمنارات معاهدها واختراعات علمائها، وكانت مثالاً يحتذى انبهر به كل من حولها!!
[ص 177] إن الثروة الهائلة في الشباب تستبق إليها مُستغرَبات من الثقافة من كل حَدَب وصوب، وتقف كثير من مجتمعاتنا - للأسف البالغ - موقف المتفرج العاجز عن التكيف مع الثقافات المستجدة، بما عطّل بشكل كبير دور الشباب في الإنتاج والرقي بالمجتمع،، ووجد كثير منهم نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ، فبين الحَجْر على تفكيره وإلزامه العادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وبين دائرة الوارد عليه من سموم الأفكار وشائن السلوك، فأضحى كثير منهم فريسةَ هذا التناقض بما أوقعه في دائرة الفراغ القاتل، فتوجّه بعدها إلى ما يخطر ببالك وما لا يخطر، فتارة للخلاعة وطورًا لمخدرات، وثالثة لسحر وشعوذة، ورابعة لأفكار هدامة لبست لبوس الإسلام واحتجبت بستاره وظن أهلها أنهم يحسنون صنعًا.
إن ما يعنينا من ذلك كله أن نُشخِّص توجُّه بعض الشباب إلى مسارح الشعوذة، وخلوات السحرة، ومعابد الشياطين الفجرة، نعم لقد وجد في بعض مجتمعات المسلمين من الشباب من يقيم قداسًا أسود يتقرب فيه إلى الشيطان بفض بكارة عذراء، أو بتعذيب طفل، وشرب من دمه، أو بممارسة شتى أنواع الرذيلة، بل والاستهزاء بالأديان كافة، ثم تعدى تلك الغرفات المظلمة التي تقام فيها هذه الطقوس الفاجرة، تعداها إلى حرمة القبور، لتُنبش ويُعبث بعظام أهلها، ثم تُرتكب الفواحش عندها (1) !!
هذه الجماعات الهدّامة - التي لم يعد أمرها خافيًا - قد عظّم قوم من شأن خطرها على الدين، وادّعى بأنها ستكون معول هدم يفتّ في عضده [ص 178] وينال منه. ونحن نقول: إن هذه الطقوس المشينة والرموز المهينة، ليست - في اعتقادنا - إلا تسخير الساحر لبعض الشباب لأجل إتمام تقربه لشيطانه، فإن ما يفعله هؤلاء يدخل في ما يشترطه شيطان الساحر من النيل من الدين وأهله، وامتهان مقدساته، وذلك ليتم الساحر عقد الاستعانة بشيطانه.
ونحن لا ننكر هنا أن هذه الجماعة المنحرفة كانت حصيلة جهد مضن وإنفاق سخي من أعداء الأمة، لكن اختصاص إطلاق لفظ (عبدة الشيطان) على هؤلاء قد يوهم أن من عداهم من السحرة والكهان والمنجمون، وأصحاب الدعوات الشركية، والعزائم الشيطانية براء من هذه العبادة، إنهم جميعًا في ذلك سواء، وبخاصة إذا اطلعنا على صنوف التقرب للشيطان التي نص عليها أهل السحر في كتبهم، فهي تكاد تكون متطابقة مع طقوس هؤلاء، لكن غاية الفرق بينهم أن السحرة يستفيدون من هؤلاء الشباب كوسيلة لتقربهم إلى شياطينهم في حصول أعمالهم السحرية، أما الأتباع فهم أداة رخيصة وفريسة سهلة تُلتَهم على مذبح السحرة، فترى أحدهم ينهي حياته ملقيًا بنفسه من شاهق، أو قاطعًا عروق يده، أو محرقًا نفسه، عياذًا بالله تعالى من ذلك، فما الذي حدا بشاب في ريعان شبابه إلى هذه النهاية المفجعة، والخاتمة البائسة؟! إنه ذلك الضياع، فبعد أن فشل في تحقيق ذاته في مسرح الحياة، وبعد أن بقيت طاقاته منحصرة بين جنبيه، فلم تجد منفذًا إلى تثقيف واع يواكب العصر، ولم تتقن عملاً منتجًا يحقق الإبداع، ولم يلق ذلك الشاب أسرة تحيط به رعاية، وتسهم في حل مشكلاته، ولا مجتمعًا ينفض عنه باليَ عاداته، ويتمسك بعظيم عباداته،، عندها تلقفته صحبة السوء، وسحبته إلى دُور المشعوذين وخِرَب السحرة المجرمين، فغلب على ظنه أنه قد يحقق شيئًا ما بطريقهم، يحقق به ذاته ويتوصل به إلى تطلعاته، عجز فآوى إلى أوكارهم، حتى إذا استيأس من نفعهم وعلم بشاعة ما أقدم عليه، وعجزت كثير من مؤسسات المجتمع التربوية عن استيعاب معضلاته تلك، ازداد [ص 179] ضياعًا وحيرة فلم يجد سبيلاً عندها إلا ذلك السقوط المريع والنهاية البائسة.
هذا، وإننا في ذلك لا نبرئ ساحة نفر من الشباب لديه استعداد مسبق لهذا الانحراف، وهو يميل بطبعه إلى اتباع الهوى وتحكيم الشهوات، فيكون وَقودًا لهؤلاء السحرة والكهنة، ولتلك الدعوات الهدامة المنحرفة.
رابعًا: نظرة تربوية لاستنقاذ الشباب من أوكار الانحراف (1) .
إن المنهجية العلمية تقتضي النظر إلى المشكلة المراد تشخيصها ووضع الحلول الناجعة لها؛ نظرًا يشمل جميع حيثياتها حتى يمكن بذلك معالجتها، والتخلص من أثرها، وإني لا أدعي في هذا أني قد أتممت تشخيص هذه المشكلة الاجتماعية المهمة، فإن ذلك قد يحتاج إلى عقلية فذة قد تقارب ما عند ابن خلدون رحمه الله، وأنّى لي مثل ذلك، لكني أحسب أني في هذه العجالة قد ألقيت الضوء على جانب مهم من أسباب ما وقع به أولئك الشباب، ولن نسلك في علاج ذلك مسلك الغربيين الذين قطعوا أشواطًا في العمران واستخدام الموارد وتصنيع الأدوات، لكنهم حسبما هو ظاهر من حالهم لم يرتقوا إلى البعد الداخلي للحضارة، ولم يلامسوا بحضارتهم ما وُجِدوا لأجله، لذا فإن مبلغ علمهم قد بقي منحصرًا في تحقيق القدر الأكبر من الترفُّة والتقدم المادي البحت، لكنْ والحق يقال إن أهل الغرب قد بذلوا جهودًا مضنية لتقرير فكرة التغيير والتقدم المستمر في أذهان شعوبهم فاستطاع مفكروهم عبر قرون متواصلة أن يفتحوا دائرة التفكير المنغلق إلى أفق الوعي الحضاري المتجدد، وأن يعزّزوا الثقة بالقدرات الإنسانية للتطور نحو الأفضل، وفي هذا المضمار بالذات نرى أن أمة الإسلام المكرمة هي الأحق بهذا النمط من التفكير الجادّ والانفتاح على آفاق تحديث الحياة وتمدينها، ذلك أن ديننا الحنيف لم يَدَع مسلكًا يثبّت فيه مفهوم التمدين الإنساني الذي [ص 180] يسخّر كل أنشطة الحياة لكسب رضوان الله تعالى في هذه الحياة إلا وسلكه.
ولنأت بعد تقرير ذلك إلى ما نحسبه مسهمًا في تخليص شبابنا من براثن تلك الدعوات الهدامة، وهو يتلخص في ضرورة توجيه موارد الأمة وثرواتها وجهة التنمية الإنسانية، أعني بذلك تنمية العقل والروح والمشاعر والطموح الخاص لدى الشباب، وأن يكون جميع ذلك متوازنًا وموازيًا لتوفير الحاجات المادية بتوفير فرص عمل مناسبة لهم، فإن هذا التوازن - وبخاصة إذا أطر بإطار المشروعية والاعتدال - أشعر الشباب بملئهم حيزًا مهمًا في المجتمع، وأكسبهم خبرة عملية يستنتجون من خلالها ما يسمى فقه الموازنات، وفقه الأولويات، فلا يكون أحدهم كتاجر خارج السوق، أو مهندس ينشئ المشاريع على صفحات الورق، فإذا طبق الشباب تعاليم الدين عمليًا في المجتمع، تعرفوا عندها على الموازنة بين هذه التعاليم، وتقديم أولوياتها في التطبيق، لكن لو بقي أحدهم أسير سماع محاضرات علمية، وهو يمارس دور المتلقّي دومًا، ويشعر بأنه قد أقصي عن مسرح الحياة العامة، فإنه بطبيعة الشباب التواقة دومًا إلى الانتقاد والتغيير سوف ينتقد ولا شك كل ما حوله، لما يجده من هوة سحيقة بين ما يتلقفه نظريًا، وبين ما يراه في أرض الواقع، ولو أنه شارك - ولو بقدْر يسيرٍ - في بناء ما حوله لوجد أن طموحاته تلك تحتاج إلى جهد عظيم في البناء واستفراغ كل الطاقات في خدمة مجتمعه، فلم يجد عندئذ وقتًا ضائعًا أو غير ضائع ليصرفه فيما يعتبره هو إزهاقًا لطاقاته، واستخفافًا بإمكاناته، فلا مشعوذ دجال يستخف عقله، ولا صاحب يُمَنِّيهِ بقدرة الساحر فلان على تحقيق أمنياته، ولا جماعة منحرفة لها أن تبذر بذارها الفاسدة في أرض عقله.
وها هم رسل الله عليهم السلام كانت تأتيهم معونة الله تعالى من حيث لم يحتسبوا، وفي اللحظة الأخيرة الحاسمة، وبعد استفراغهم ومن معهم [ص 181] كامل جهدهم، تأتيهم الثمرة لجهودهم تلك، [يُوسُف: 110] {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} . وقد كان الله عز وجل قديرًا على نصرهم ابتداءً، لكن سنة الله تعالى في خلقه اقتضت أن يبذل العبد كل الوسع، وأن يستفرغ جميع الطاقة، ثم إذا ما عجز عن تحقيق مراده طلب العون أو جاءه المدد، فلو تقرر في أذهان شبابنا - عمليًا - مثل هذه المعاني الشرعية، فأي مشعوذ دجال له أن يستخف عقولهم؟! وأي ساحر فاجر يوهمهم بقدراته الخارقة؟ وأي جماعات منحرفة لها أن تبذر بذارها الفاسد في أرض عقولهم؟ لقد أضَحوا شبابًا يعملون بجِدٍّ على تحديث مجتمعاتهم والرقيِّ بها، وفق توازن شرعي، وسلّم أولويات للمهمات، بما يخدم وطنهم، ويحقق رسالتهم في الحياة.
***