مركز الشفاء للرقية الشرعية — لبنان، صيدا
للتواصل: المعالج أبو آيه — 03654576
القرآن كاملا بالزعفران لعلاج السحر والمس
والعين
للتواصل الشيخ أبـو آيــه /
009613654576
[ص 35] الفصل الثالث
أصول الشفاء الثلاثة (48) :
أولاً: الحِجامة (49) : وهي تفرُّقٌ اتصالي إرادي، يتبعه استفراغ كُلِّي من العروق، وأصل معناها: المداواة بالحَجْم، أي: بالشَّرْط؛ وطريقة ذلك أن يعمد الحجّام إلى إخراج الدم المتبيِّغ (أخلاط الدم الزائد الفاسد) من العروق، وذلك بإفراغ كأس من الهواء، ثم وضعه على الجلد ليُحدث فيه تهيُّجًا فينجذب الدم إلى الجلد بقوة، ومن ثَمَّ باستخدام مِشْرطٍ، يستخرج به الحجَّام ذلك الدم.
قال عليه الصلاة والسلام: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ
[ص 36] مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ» (50) . هذا، وقد «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحرِمٌ فِي رَأْسِهِ، مِنْ شَقِيقَةٍ (51) كَانَتْ بِهِ» (52) .
وللحجامة منافعُ جمَّة، [فهي تُنْقِي سطح البدن، والحجامة على الكاهل (53) : تنفع من وجع المَنْكِب والحلق، كما أن الحجامة على الأخدعين (54) : تنفع من أمراض الرأس وأجزائه؛ كالوجه، والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده، أو عنهما جميعًا، والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه [ص 37] والحلقوم، إذا استُعمِلت في وقتها، وتنقي الرأس والفكَّين، والحِجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد (55) الصافن - وهو عرق عظيم عند الكعب - وتنفع أيضًا من قروح الفخذين والساقين، وانقطاع الطَّمْث، والحِكَّة العارضة في الأُنْثَيَيْن (الخِصْيتين) ، والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفَخِد، وجَرَبِه وبُثُورِه، ومن داء النِّقْرِس (56) ، والبواسيرِ، وداءِ الفيل (57) ،
وحِكَّة الظهر] (58) .
والحجامة - فضلاً عما سبق - هي من أنفع الطرق المشروعة لإبطال أثر السحر، (وتكون باستفراغ الدم في
[ص 38] المحل الذي يصل إليه السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة، وهيجانِ أخلاطِها، وتشويشِ مِزاجها، فإذا ظهر أثرُه في عضوٍ، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نَفَع جدًا) (59) .
أما الأوقات المثلى للحجامة، فهي يوم سابعَ عشر، أو تاسعَ عشر، ويوم إحدى وعشرين، من الشهر القمري، فعن أنس رضي الله عنه، قال: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَحْتَجِمُ فِي الأَْخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ، وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسْبِعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدى وَعِشْرِينَ» (60) .
تنبيه: [إن اختيار هذه الأوقات - المستحبة للحجامة - هو فيما إذا
[ص 39] كانت الحجامة على سبيل الاحتياط والتحرُّز من الأذى، وحفظًا للصحة، أما في مداواة الأمراض، فحيثما وُجد الاحتياجُ إليها وجب استعمالُها] (61) .
ثانيًا: العسل: قال الله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النّحل: 69] .
[قال بعض من تكلم على الطِب النبويِّ: لو قال: فيه الشفاء للناس، لكان دواءً لكل داء، ولكن قال: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} ، أي يصلح لكل أحد من أدواءٍ باردة، فإنه حارٌّ، والشيء يداوى بضِدِّه] (62) .
[ص 40] أما السُّنَّة الكريمة، فقد صحّ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ» (63) ، وقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ» (64) ، وقد أتى رجلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: «اِسقِهِ عَسَلاً» ، ثم أتاه الثانية، فقال: «اِسْقِهِ عَسَلاً» ، ثم أتاه الثالثة، فقال: «اِسْقِهِ عَسَلاً» ، ثم أتاه فقال: قد فعلتُ، فقال صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اِسْقِهِ عَسَلاً» ، فسقاه، فبرأ (65) .
[والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جِلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء
[ص 41] وغيرِها، محلِّلٌ للرطوبات، أكلاً وطِلاءً، نافع للمشايخ - أي: للمُسِنِّين - وأصحابِ البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، (حيث إنه من الأغذية الحارّة) ، وهو مغذٍّ مليّن للطبيعة (مسهِّل) ، منقٍّ للكبد والصدر، مُدِرٌّ للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإن اسْتُنَّ به - أي: دُلِكت به الأسنان - بيَّضَ الأسنان وصقلها وحفظ صحتها، وصحة اللثة، ثم إنَّ لَعْقَه على الريق يُذهِب البلغم، ويغسل خَمْل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخِّنها تسخينًا معتدلاً، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقلُّ ضررًا [ص 42] لسُدَد الكبد والطِّحال من كل حلو. وهو - مع هذا كلِّه - مأمون الغائلة، قليل المضارِّ.
والعسل غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطِلاء مع الأطلية، ومُفَرِّحٌ مع المفرِّحات، فما خُلِق لنا شيءٌ في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريبًا منه] (66) .
[وأما هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الشراب، فهو أكملُ هديٍ تُحفَظ به الصحة، فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي [ص 43] إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن الشراب إذا جَمع وَصْفَيِ الحلاوةِ والبرودة، كان من أنفعِ شيءٍ للبدن، ومن أكثر أسباب حفظ الصحة، ويكون عندها للأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له، واستمداد منه، وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء، وإيصاله إليها أتمَّ تنفيذٍ] (67) .
هذا، ومما خصَّه هديُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم من العلاج بالعسل، داء استطلاق البطن (الإسهال) وقد [قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل - الذي استطلق بطنه كما مرّ في الحديث آنفًا - عنده [ص 44] فضلات، فلما سقاه عسلاً، وهو حارٌّ، تحلَّلَتْ، فأسرعت في الاندفاع، فزاد إسهالُه، فاعتقد الأعرابيُّ أن هذا يضرُّه، وهو - في حقيقته - مصلحةٌ لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المُضِرَّة بالبدن استمسك بطنُه، وصَلَح مِزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام] (68) .
[وفي تكرار أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم سقيَه العسل معنى طِبي بديع، وهو: أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية، بحسب حال الداء، إنْ قَصُر عنه لم يُزِلْه بالكلية، وإن [ص 45] جاوزه أوهى القُوى، فأحدث ضررًا آخر، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها ومقدار قوة المرض والمريض من أكبر قواعد الطب] (69) .
[والغريب حقًا أن الأطباء في الأزمنة الغابرة كانوا يَرَوْن أن العسل يسبِّب تليين البطن، لذا فإنه لا يصلح لمعالجة الإسهال، وقد استنكر ابنُ خلدون في مقدمته مداواةَ المبطون بالعسل، واعتبر أن حدوث الشفاء هو من التأثير النفسي لإيمان الصحابي رضي الله عنه، وليس راجعًا لخصائص العسل! إلا أن الطب الحديث قد أثبت فائدة العسل في معالجة التهاب المعدة والأمعاء (النزلات المعوية) ، [ص 46] عند الأطفال، وقد تبين من خلال دراسة نشرتها «المجلة الطبية البريطانية» عام 1985م، فائدة العسل في علاج الإسهال الناتج عن غزو بكتيري، وكانت النتائج جيدة في هذا الصدد، وقد سبق ذلك دراسةٌ نُشرت في «أعمال مؤتمر الطب الإسلامي» عام 1982م، حول معالجة الإسهال المزمن بالعسل، وقد أكدت الدراسة فائدة العسل في علاج المبطون] (70) .
هذا؛ وإن العسل ليس مداويًا لما ذكر وحسب، لكن ثبتت أيضًا فعاليته في معالجة صنوف عديدة من الأمراض، منها: الزكام والوقاية منه، ومعالجة [ص 47] أمراض الجهاز التنفسي، والتهاب الأنف التحسُّسي، وقد صُنِّف في تفصيل الاستدواء بالعسل مصنفات عديدة؛ من كتب وأبحاث ومقالات (71) .
وفي بيان أنواع العسل وبعض منافعه، يرشد الإمام الزُّهري رحمه الله فيقول: [عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصفاه وأبيضُه، وألينُه حِدَّة، وأصدقه حلاوة، وما يؤخذ من الجبال، والشجر، له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله] (72) .
وإن شئت، أخي القارئ، فإن لك أن تتأمَّل - في ترتيب تفاضل أنواع العسل-
[ص 48] قولَه تعالى: [النّحل: 68] {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *} .
ثالثًا: الكيُّ، وهو: التداوي بقطع عرقٍ، ثم حسم نزيفه بلذعةٍ من نار. (والكيّ بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض) (73) ، وهو إنما يستعمل في الخلط الباغي، الذي لا تنحسم مادته إلا به، فهو يقع آخرًا لاستخراج ما يتعسر إخراجُه من الفضلات، وهو خاص بالمرض المزمن؛ لأنه يكون عن مادة باردة قد تُفسِد مزاج العضو، فإذا كُوي خرجت منه (74) .
[ص 49] وقد كوى النبيُّ صلى الله عليه وسلم سعدَ بن معاذ وأبيَّ بن كعب رضي الله عنهما، يوم الأحزاب، كما اكتوى غيرُ واحد من الصحابة رضي الله عنهم. «فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه طبيبًا - لما رُمِي يوم الأحزاب في أَكْحَله - فقطع منه عِرْقًا، ثم كواه عليه» (75) ، وقد «حَسَم النبيُّ صلى الله عليه وسلم سعدَ بن معاذ في أكحله - لما رمي يوم الأحزاب أيضًا - بمِشْقَصٍ (76) بيده، ثم وَرِمت أَكْحَلُه، فحسمه الثانية» (77) . وقال أنسُ ابنُ مالكٍ رضي الله عنه: (كُوِيت من ذات الجَنْب (78) ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ، وشَهِدني أبو طلحةَ، وأنسُ بنُ النَّضْر، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو طلحةَ كواني) (79) .
[ص 50] مسألة: قد كوى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعضًا من الصحابة، واكتوى بعضُهم في حياته - كما ذُكر آنفًا -، وقد صحَّ في الحديث قولُه صلى الله عليه وسلم: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (80) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «وَأَنْهى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (81) ، فكيف يُجمَع بين ظاهر هذه الأدلة؟
وصفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكيَّ ثم نهى عنه لأمور، منها (82) :
* إرشاد الأمة إلى تجنب الكيِّ ما أمكن، لما فيه من الألم الشديد، والخطر العظيم على حياة المتداوي به.
* تنبيه الأمة إلى ضرورة ترك تعظيم
[ص 51] أمر التداوي بالكيِّ؛ ولزوم التوكل على الله تعالى، فقد كانوا في الجاهلية يَرَوْن أن الكي يحسِم الداء، وإذا لم يُكو العضوُ عَطِب وبَطَل جزمًا، فنهاهم صلى الله عليه وسلم إذا كان على هذا الوجه من الاعتقاد، وأباحه لهم إذا جعلوه سببًا للشفاء - وحسب - لا عِلَّةً له، فإن الله هو الذي يبرئه ويشفيه، لا الكيُّ والدواء.
* ويحتمل أن يكون النهي عن الكيِّ إذا استُعمل على سبيل الاحتراز والتحوُّط من حدوث المرض وقبل الاحتياج إليه، وذلك مكروه، وإنما أبيح للتداوي والعلاج عند الحاجة إليه.
[ص 52] هذا، وقد جاء في الحديث ما يشير إلى جميع ما سبق؛ وذلك في تقييد النبيِّ صلى الله عليه وسلم فائدة الكيِّ، بما إذا وافق الكيُّ علاجَ داءٍ بعينه، ولم يكن ثمة معالجة لهذا الداء إلا الكيّ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوافِقُ الدَّاءَ» (83) .
كلام نفيس للإمام ابن القيم رحمه الله (84) في تعليل جَعْلِه صلى الله عليه وسلم الشفاءَ في ثلاث، وأن القصد التمثيلُ في ذلك لا حصر الشفاء في هذه الأدوية:
إن أصل الأمراض المِزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط، التي هي: الحرارة والبرودة، فجاء كلام النبوَّةِ في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارّة [ص 53] والباردة على طريق التمثيل؛ فإن كان المرض حارًا عالجناه بإخراج الدم، بالفصد كان أو بالحجامة، لأن في ذلك استفراغًا للمادة، وتبريدًا للمزاج، وإن كان باردًا عالجناه بالتسخين، وذلك موجود بالعسل، وأما الكيُّ فإن كان المرض مزمنًا وقد استقرت المادة الباردة الغليظة في العضو وأفسدت مِزاجه، فيُستخرَج بالكيِّ تلك المادة من ذلك المكان؛ وذلك بإفناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة الباردة.